الصفحة 101 من 117

تطبيق أحكام الإسلام في الدولة، ولا يكون ذلك إلا من خلال آلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي اعتبره الشرع وسيلة ضرورية دائمة لحفظ الأمة والذي يؤدي غيابه إلى هلكة الأمة جميعها بانحرافها عن الشرع. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في البحر أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها في أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجو جميعًا، وإن تركوهم غرقوا جميعًا" [1] .

وبناء عليه، فالمسئولية العظمى في محاسبة الحكام والتأكد من حسن تطبيق الإسلام تلقى على عاتق العلماء فلا بد أن يكون العلماء قدوة للأمة في حمل الإسلام والدفاع عنه. وقد ضرب سلف الأمة من العلماء مثلًا رائعًا في الصدع بالحق دون خوف من سطوة سلطان أو جبروت حاكم، وذلك امتثالًا لقوله - صلى الله عليه وسلم:"أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر" [2] ، وتأكيده - صلى الله عليه وسلم - أن قائل الحق عند السلطان الجائر إن قتل بسبب كلمة الحق والعدل فهو شهيد، بل ومن سادة الشهداء. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" [3] .

روُي أن معاوية رضي الله عنه حبس العطاء عن الناس فقام إليه أبو مسلم الخولاني فقال له: يا معاوية إنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك. فأغضب ذلك الكلام معاوية فأمر الناس بالبقاء، وغاب عنهم ساعة ثم خرج عليهم وقد اغتسل وقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"الغضب من الشيطان والشيطان خلق من نار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليغتسل""وإني دخلت فاغتسلت، وصدق أبو مسلم أنه ليس من كدي ولا من كد أبي، فهلموا إلى عطائكم" [4] .

وقد روي أن الوليد بن عبدالملك قال لحاجبه يومًا: قف على الباب فإذا مر بك رجل فأدخله عليّ، فمر عليه عطاء بن أبي رباح فأدخله دون أن يعرف من هو على الوليد وعنده عمر بن عبدالعزيز، فقال: السلام عليك يا وليد! فغضب الوليد من حاجبه، وأجلس الشيخ الذي قال له: بلغنا أن في

(1) صحيح سنن الترمذي، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 233.

(2) صحيح سنن ابن ماجة، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص 369.

(3) محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، مرجع سابق، المجلد الأول، القسم الثاني، حديث رقم 374، ص 716.

(4) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، الجزء الثاني (بيروت: دار الكتب العلمية، 1406 هـ - 1986 م، ص 372.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت