يريد له فراقا، ولا عنه حراكا .. فهو دائم التغريد في الصيف والشتاء .. والليل والنهار .. والأصيل والسحر.
قالت بعد أن أيست وقد تهيأت للطيران: ولِّ يا محروم ...
وانطلقت لتغيب وراء الأفق!
آهٍ .. آه ومن يومها عزفت نفسي عن الدنيا .. وزهدت بما فيها،، ومن فيها وعدت لا أعرفها كما كنت أعرفها .. وما عادت الدنيا تساوي عندي سماع تلك الكلمة مرة واحدة أخرى .. بذلك اللحن من فم تلك الحورية الساحرة!
وهجرت الأهل والوطن وأنا قلق حزين .. أسأل نفسي وأقول: هل أنا محروم حقا؟ ماذا أفعل حتى أرفع عن نفسي قرار الحرمان،، وأنال صك الغفران من يد الرحمن؟
وها أنا ذا أجاور الحرم الأمين .. ومنذ سنين .. لعل الرحمن الرحيم ينظر إلي نظرة يرحمني بها، فلا يحرمني مما فاز به أصحابي الذين غادروا أرض الأحزان إلى دار السرور في أحضان الحور.
أيها العشاق! وأسدل الستار ...
ولو كنت على المسرح لقلت لذلك الصب المستهام والعاشق الولهان: إن أقرب طريق للوصول، وأغلى ثمن وأرجى عمل مقبول .. هو ما جاءنا على لسان العابد الزاهد والعالم العامل المجاهد الأمام عبد الله بن المبارك يخاطب صاحبه الفضيل بن عياض ذلك العابد الذي جاور الحرمين فهو لا ينفك عن التنقل بينهما يعبد الله جل في علاه وهو قلق تتقاذفه الأشواق بين هذا الحرم وذاك الحرم .. يستبد به الشوق مرة إلى لقاء الحبيب فيشد الرحال إلى (طَيبة) .. ويهوي به فؤاده مرة فيشدها إلى بطحاء مكة! حتى لقب بـ (عابد الحرمين) فيرسل إليه صاحبه ابن المبارك رسالته هذه من ميدان الجهاد معفرة بغبار سنابك الخيل، مضمخة بعطر دم الشهادة يقول فيها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... وهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صاعق لا يكذب