ولكن .. حتى تخرج إلينا من الدنيا فأنت لا زلت فيها!
وجذبتني اليد التي كانت تشدني من خلفي ... فصرت أقاومها أحاول الإفلات منها، وأنا أصيح:
لا أخرج! لا أخرج! لا أخرج!
وهنا انتبهت على يدك تنخسني، وصوتك يوقظني، فلما تبينت أنه حُلم وليس حقيقة!! دارت بي الأرض دورتها .. وتحققت من الخسارة!! فأين أنا مما كنت فيه؟!!
ثم أطرق طويلا ... ينشج بصمت، ثم قال وهو يحدث نفسه حديثًا كأنه حشرجة مودع ساعة الاحتضار: ترى! هل سألقى العيناء المرضية مرة أخرى؟ وهل ما كنت فيه رؤيا صدق؟ أم حديث نفس .. وتهويمة خيال؟
يقول صاحبه: وما إن طلع الصباح .. والتقى الجمعان حتى حمل سيفه وركب فرسه وقاتل قتالًا، والله، ما رأيته يقاتل مثله من قبل قط! لقد كان يرمي بنفسه على الموت رميًا .. وينحدر إليه تحدرًا كأنه السيل تقذف به الأعالي إلى بطون الوديان العميقة السحيقة القرار!
قتال من انكشف له الحجاب .. فصار يتطلع إلى ما في عوالم الغيب كأنه ينظر إلى عالم الشهادة. لقد هام صاحبي بحب العيناء المرضية فهو يريد الوصول إليها بأي ثمن .. وبأسرع زمن!
ويسقط العاشق المستهام .. فابتدره الناس وبه رمق، وجاؤوا به يحملونه فلما رأيته قلت له: هنيئًا لك عيناؤك المرضية،، يا ليتني كنت معك!
فعض شفته السفلى، وأومأ إليّ ببصره وهو يضحك يعني: اكتم أمري حتى أموت! ثم قال: الحمد لله الذي صدقنا وعده.
فما تكلم بشيء بعدها حتى قضى وعلى وجهه ابتسامة ما رأيتها من قبل!
أيها الأحبة هل تجدون الساعة أجمل وألذ من تلاوة قوله سبحانه: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) (الفجر:30) .