الصفحة 18 من 36

المناخ) بتناقص في درجة الحرارة كلما ارتفعنا حتى نصل إلى ناقص 60 د. م. على ارتفاع حوالي 10 كم من سطح البحر، حيث يتكثف بخار الماء عند اصطدامه بهذا النطاق, فيعود منه مطر أو برد أو ثلج، فهذه إحدى صور الرجع، وأحد مظاهر الحفاظ على الأرض وما فيها. واستكمالا للعطاءات الإلهية للبشر، فقد جعل الله تعالى البخر من أسطح البحار والمحيطات يفوق ما يسقط فوقها من مطر بحوالي 36000 كم مكعب, وأن المطر فوق اليابسة يزيد على البخر من سطحها, بنفس القيمة التي تفيض من اليابسة إلى البحار والمحيطات, ولولا هذه الدورة لفسد ماء الأرض كله في فترة زمنية وجيزة [1] . كما جعل سبحانه بخار الماء (السحب) سببًا في منع معظم الأشعة الحرارية طويلة الموجة (تحت الحمراء) الوافدة إليها من الخارج (الكون والشمس خاصة) التي تمتصها صخور الأرض والمحيطات [2] وتعيد إشعاعها في الجو بعد غياب الشمس.

وهكذا تبين من الدراسة المتأنية للقرآن الكريم أن مفهوم"الدورة الهيدرولوكية"واضح ومبين في كثير من آياته وضوحًا يلفت الأنظار. والآيات التي تتناول الدورة تتناولها في قسمين: الأول: يبين الحلقات الأولى من الدورة، والثاني: يبين الآيات الدالة على أصل المياه الجوفية والسطحية أو الحلقة الأخيرة من الدورة.

فالأول: التبخر والانتقال والهطول، وفي ذلك يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: 57] . ويقول جل شأنه: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [الروم: 48] ، وتحمل الآيتان دلالة واضحة، ويكفي أن نعبر عنها كما يلي: رياح مرسلة، تحمل سحابًا يساق إلى اليابسة، ينزل به المطر. ويلاحظ دقة العبارة القرآنية، حيث يقول الله عز وجل: (فأنزلنا به الماء .. ) والضمير في (به) عائد على السحاب، وقد ثبت حديثًا أن السحاب هو الواسطة لإنزال المطر، ويُعد مكثفًا لبخار الماء الذي تحمله الرياح وخاصة في الأمطار الغزيرة.

والثاني: التسرب وأصل المياه السطحية والجوفية، ومن الآيات الواردة في هذا الخصوص -وهي كثيرة-: قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18] يقول الإمام القرطبي -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) إشارة إلى الماء العذب وأن أصله من البحر، رفعه الله بلطفه وتقديره من البحر إلى السماء حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد، ثم أنزله إلى الأرض لينفع به، وأخبر الله بأن الماء الذي أنزله من السماء استودعه في الأرض وجعله فيها مختزنًا لسقي الناس؛ يجدونه عند الحاجة أهـ. ويقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) [الزمر: 21] يقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: أنزل من السماء، أي من السحاب ماء، أي المطر، فسلكه: أي أدخله في الأرض وأسكنه فيها. قال الشعبي والضحاك: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل. وتدل هذه الآية دلالة بينة على وضوح مفهوم الدورة المائية في القرآن الكريم. وهذا ما لفت انتباه العالم الفرنسي موريس بوكاي مؤلف كتاب"الكتاب المقدس والقرآن والعلم"حيث عقد في كتابه فصلًا بعنوان:"الدورة المائية في القرآن الكريم"ختمه بهذه العبارة:"وإذا قارنا بين المعطيات الهيدرولوجية الحديثة وتلك التي تستقى من"

(1) زغلول النجار: الإعجاز العلمي في القرآن. ج 3, ص 13.

(2) زغلول النجار: مرجع سابق ج 3, ص 13. وانظر: صالح نعمان، منهج البحث في علم العقيدة في ضوء التطور العلمي المعاصر، مرجع سابق، ص 267 - 270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت