ومن عظيم قدرة الله، أنه جعل الماء يتشكل حسب البيئة التي يوجد فيها، فهو تارة شلال جارف، وتارة أخرى يرتفع بقوة نحو السماء؛ ليعود فيسقط ثانية، وهكذا من خلال ما يسمى بالدورة الهيدرولوكية [1] : hydrologic cycle الدورة المائية من البحر إلى اليابسة من خلال الغلاف الجوي وعودتها من اليابسة إلى البحر، حيث يرسم الماء خلال حركته على سطح الأرض، دورة مغلقة تدعى عادة"بالدورة الهيدرولوكية"وتتم هذه الحركة بتأثير عدة عوامل، أهمها: الطاقة الشمسية الساقطة على سطح الأرض، والثقالة (الجاذبية) ، فبتأثير الأشعة الشمسية، تتبخر كميات كبيرة من مياه البحار والمحيطات، حيث تتكاثف على شكل سحب وضباب، تنتقل بعدها هذه السحب على سطح الأرض وباتجاه اليابسة في أغلب الأحيان، بتأثير التيارات الهوائية وحركة الغلاف الجوي، حيث تهطل بسبب عوامل معينة على شكل أمطار أو ثلوج، تغذي الأنهار والبحيرات والبحار والمحيطات لكي تبدأ الدورة المائية من جديد [2] .
ولتوضح هذه الدورة، نؤكد أن الغلاف الجوي (السقف) يحتوي على بخار الماء المتصاعد من داخل الأرض والذي بخرته الشمس من المسطحات المائية كالمحيطات والبحار، والدفع به إلى أعلى حيث تثير به الرياح -وهي التيارات الهوائية- السحب، فيتكاثف إلى مطر، يرجع إلى الأرض اليابسة، فيحييها، وفي ذلك يقول الله تعالى:) اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ( [فاطر:9] , وقال: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ( [الحجر: 22] . ثم يعود الماء إلى البحار والمحيطات من خلال الأمطار والأنهار والينابيع, ومن ثم فهما مصدرا الماء العذب على الأرض كلها، وهو غير مخزون ولكنه دورة بين السماء والأرض، ذلك أن الماء المخزن في الأرض مدة طويلة يذيب أملاحا فينشرها فيصير مالحا أجاجا. قال تعالى:(أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ) [الواقعة: 69 - 70] . إن الطبقة السفلى من الغلاف الجوي تعيد بخار الماء المتصاعد إليها بشكل مطر، وبهذا فإن الآية الكريمة تشير إلى الدورة الهيدروليكية المستمرة والمسخرة بين المحيطات والأنهار من جهة، وبين سحب الغلاف الجوي من سمائنا من جهة أخرى، فإذا تبخر جزء من ماء الأرض بحرارة الشمس فإنه يعود إليها من السماء على هيئة أمطار. قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18] ، والتعبير القرآني"بقدر"إشارة صريحة إلى توازن توزيع الماء، فالأنهار مثلًا تنساب بصفة دائمة طوال السنة رغم أن الأمطار موسمية ولبضعة شهور فقط [3] .
إن تغذية الأنهار وغيرها من مصادر المياه تتم بقدر وبكميات مقننة بقدرة الله -سبحانه وتعالى- والتوازن واضح أيضًا في تصريف المياه وعودتها إلى البحار أو الهواء بشتى الطرق، وكذلك تكوين الضباب والسحاب لتتكرر الدورة، ولولا هذا التصريف لاجتاحت الفيضانات والسيول الكرة الأرضية كما يحدث أحيانًا حينما تتعطل مؤقتا -لحكمة إلهية- العمليات الطبيعية المذكورة في الدورة الهيدروليكية لتعطي للإنسان إنذارًا وتجعله شاكرًا لله على استمرار هذه الدورة في توازن مستمر تؤدي فيه السماء دورًا أساسيًّا بإعادة الأمطار من السحاب إلى الأرض [4] بإرادة الله وقدرته.
ولاشك أن الدورة المائية تدل دلالة واضحة على عظيم قدرة الله وإعجازه في خلقه؛ ذلك أن بخار الماء المندفع من داخل الأرض أو المتبخر من سطحها ما كان ليرجع إلينا أبدًا, لو لم يخص الله تبارك وتعالى الغلاف الغازي المحيط بالأرض (نطاق
(1) مجمع اللغة العربية، معجم الهيدرولوجيا، القاهرة 1984 م، ص 72.
(2) راجع: خالد عزب (مرجع سابق) ص 5 بتصرف
(3) صالح نعمان: منهج البحث في علم العقيدة في ضوء التطور العلمي المعاصر، رسالة دكتوراه بكلية أصول الدين والشريعة والحضارة الإسلامية، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة- الجزائر، سنة 2003 - 2004 م، ص 267 - 270
(4) الدكتور أحمد فؤاد باشا: رحيق العلم والإيمان - موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. www.amaneena.com: .