الصفحة 3 من 54

وقف الكتب في بغداد

وقفيات سليمان باشا الكبير

يحتل وقف الكتب مكانة متميزة بين مجالات الوقف المختلفة في الحضارة الاسلامية، ذلك أنه على خلاف تلك المجالات، يتجاوز أن يكون صدقة جارية فحسب، إلى أن يكون سبيلًا للعلم الذي ينتفع به أيضًا، فيتمثل فيه ركنان من أركان عمل الانسان بعد موته [1] ، ومن هنا كان وقف الكتب، أيًّا كانت أعدادها، مجالا طيبًا يُؤبِّد فيه أهل العلم ما لديهم منها، ومن ثم يبقى نفعها مستمرًا على مر الأحقاب، وإذا كان وقف المساجد والمدارس والمنشآت الخدمية لا يستطيعه إلا الأغنياء والموسرون، فإن وقف كتابٍ أمرٌ يستطيعه العالِم والمتعلم بيسر، ومهما قلت موارده احدهما وضعفت إمكاناته المادية، فيكفي أن يقف كتبه الخاصة على مدرسة أو مسجد أو طالب علم حتى ينال من الأجر الكثير [2] .

وفي عصر كان الكتاب فيه مخطوطًا عزيزًا في كل نسخة منه آثار عرق ناسخه أو مؤلفه، وقد أنفق فيه الوقت الكثير الذي يتجاوز الشهور الطوال بحرها وبردها، كان وقف كتاب في خزانة ما عملًا مهمًا فعلا في مجال نشر العلم والثقافة، ففي تلك الخزائن يجد القارئ سبيلا للإطلاع على كتب التعلم، أو ما يسمى بكتب الجادة، التي يحتاجها في درسه، وفيها يمكن له أن يتخذ من كتاب ما موضوعًا لشرح أو تعليق أو تذييل، فيسهل بذلك سبل الافادة منه بحسب مستوى طلبته وثقافة بيئته، وفيها أيضًا يمكن أن يكثر عدد النسخ من الكتاب الواحد بنسخه من قبل ناسخ محترف، أو طالب نبيه، فيحول ذلك دون انقراض الكتاب في حالة أن يكون رهين نسخة وحيدة منه، فضلا عن أن يكون تكثير نسخه سببًا في انتشار الكتاب في عدة أقطار، متجاوزًا حدود بلد مؤلفه، أو مالكه، فيفيد منه طلبة العلم في كل مكان، وليساهم في تعميق الثقافة المشتركة في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي.

(1) اشارة الى الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.

(2) تنظر نماذج من وقف الكتب في الحضارة الاسلامية في عبد العال سعد الشلية الرشيدي: الشذرات في أخبار الكتب والكتاب والمكتبات، الكويت 2015، ص 222 - 228.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت