وفي مدينة بغداد، حيث لم يكن في المستطاع حفظ التراث المخطوط لعالِمٍ ما بعد موته، إن لم يكن ورثته من أهل العلم، على ما يذكر الرحالة نيبور حين زيارته إليها سنة 1766 م [1] ، كان وقف هذا التراث، أو إهدائه إلى مسجد أو مدرسة، السبيل الوحيد المتاح لذلك الحفظ ونشر فوائده. ونحن نذكر كم من الخزائن قد تعمد احراقه، أو اغراقه، بمجرد موت صاحبه، لمجرد تصور ورثة جاهلين أنهم إن فعلوا ذلك صانوا الألفاظ الشريفة فيها، كلفظ الجلالة، وأسماء الرسل والأنبياء، من أن تدوسها قدم إنسان أمي لا يفهم معانيها.
وكنا سنبقى غير عالمين بما كانت تضمه هذه المدينة من خزائن كتب، في القرون المتأخرة، لولا أن قام عالم جليل في أواخر القرن الثالث عشر، هو السيد نعمان خير الدين الآلوسي (ولد سنة 1252 وتوفي سنة 1317 هـ/1836 - 1899 م) ، بجمع عنوانات ما تبقى من الآثار الخطية في تلك الخزائن، ضامًا إياها في فهارس سريعة، في كتاب سماه (فهرس مكتبات بغداد الموقوفة) ، فألقى بذلك ضوءًا مهمًا على مصادر العلم والثقافة المتاحة في بغداد في تلك القرون، وقد بلغ عدد الخزائن في هذا الكتاب عشر، هي المدرسة المرجانية، ومدرسة الصاغة، ومدرسة الطبقجلي، ومدرسة جامع الأمام أبي حنيفة، والمدرسة العلية، والمدرسة القبلانية، ومدرسة جامع الوزير، والمدرسة المرادية، والمدرسة العمرية، ومدرسة جامع الفضل. فكان عدد الكتب في هذه الخزائن 3907 كتابا معظمها من المخطوطات، وقليل منها طبع في اولى مطابع ذلك العصر.
وعلى الرغم من الشروط المشددة التي وضعها الواقفون على استعارة الكتاب، حفظًا له من الفقد والضياع والتلف، وتعيينهم الموظفين الذين توكل إليهم العناية به، من حَفَظة، وفراشين، إلا أن كل ذلك لم يكن كافيًا لحفظ الكتب على وفق ما أراده واقفوها. ولعل أهم أسباب هذه الظاهرة المؤسفة هو الجهل بالوسائل التي تبقي الكتاب سليمًا، في بيئة تغلب عليها الرطوبة العالية، حيث تبنى خزائنها في مساجد قريبة من النهر، وتكثر فيها الحشرات القارضة وفي مقدمتها حشرة (الإرضة) التي لا يمنعها عن الفتك بما تجده منها شيء، هذا فضلا عن إهمال المتولين وغفلتهم، وما كانت تتعرض إليه مدينة السلام من حوادث غرق
(1) قال نيبور"وإذ هناك في القاهرة مكان يشتري فيه المسلمون كتبًا قديمة، فليس في بغداد محل كهذا أيضًا أبدًا فإذا ما أراد أحد أن يقتني كتبًا بغير أن يكلف نفسه عناء الاستنساخ أو تكليف أحد به، فإنه ينتظر حتى يموت أحد الجامعين للكتب، وعندها تباع في السوق كما تباع الألبسة القديمة، وينادي عليها الدلالون للمزايدة على أثمانها". رحلة نيبور الكاملة إلى العراق، لندن 2012 ـ ص 433.