سبق أن أبا حامد ــــ عفا الله عنه ــــ خلط منطق الفلاسفة وأقاويلهم بالآثار النبوية والمعاني الشرعية وحاول المزج بينها.
والشيخ ابن تيمية جمع تلك المصادر بعبارة جامعة سهلة، فقال في"بغية المرتاد" (448 - 451) في جملة نفيسة: (( وأبو حامد مادته الكلامية من كلام شيخه في"الإرشاد"و"الشامل" [يقصد أبا المعالي الجويني[1] ]ونحوهما مضموما إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني [2] ، لكنه في أصول الفقه سلك في الغالب مذهب ابن الباقلاني ومذهب الواقفة وتصويب المجتهدين ونحو ذلك، وضم إلى ذلك ما أخذه من كلام أبي زيد الدبوسي [3] وغيره في القياس ونحوه.
وأما في الكلام؛ فطريقته طريقة شيخه [أي أبو المعالي الجويني إمام الحرمين] دون القاضي أبي بكر.
وشيخه في أصول الفقه يميل إلى مذهب الشافعي، وطريقة الفقهاء التي هي أصوب من طريقة الواقفة. ومادة أبي حامد في الفلسفة من كلام ابن سينا [4] ، ولهذا يقال: أبو حامد أمرضه"الشفاء"، ومن كلام أصحاب"رسائل إخوان الصفا"و"رسائل أبي حيان التوحيدي"، ونحو ذلك.
وأما في التصوف، وهو أجل علومه، وبه نبل؛ فأكثر مادته من كلام الشيخ أبي طالب المكي [5] ، الذي يذكره في المنجيات [6] في الصبر والشكر والرجاء والخوف والمحبة والإخلاص؛
فإن عامته مأخوذ من كلام أبي طالب المكي، لكن كان أبو طالب أشدَّ وأعلى.
(1) إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني الأشعري الكبير (419 - 478 هـ) .
(2) أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني الأشعري المشهور المتوفى سنة (403 هـ) .
(3) هو عبد الله بن عمر الدبوسي الحنفي الأصولي (367 - 430 هـ) ، له:"تأسيس النظر"و"الأسرار". انظر:"الأعلام".
(4) هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا الفيلسوف، وهو مدخل فلسفة اليونان إلى المسلمين، خبيث، سيئ.
(5) هو محمد بن علي بن عطية المكي أبو طالب (ت 386 هـ) ، صاحب كتاب"قوت القلوب"، مشهور بالزهد، وفي كتابه القوت انظر:"المجموع" (10/ 1) .
(6) حيث قسم الغزالي كتابه"الإحياء"إلى أربعة أقسام: العبادات، والعادات، والمهلكات، والمنجيات.