الصفحة 18 من 43

يَقع فِي كَلَامه مَا هُوَ مَأْخُوذ من كَلَام الفلاسفة، ويخلطه بِكَلَام الصُّوفِيَّة أَو عباراتهم، فَيَقَع فِيهِ كثير من المتصوفة، الَّذين لَا يميزون بَين حَقِيقَة دين الْإِسْلَام وَبَين مَا يُخَالِفهُ من الفلسفة الْفَاسِدَة وَغَيرهَا، لَاسِيمَا إِذا بُني على ذَلِك وَاتَّبَعت لوازمه؛ فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى قَول ابْن سبعين وَابْن عَرَبِيّ صَاحب"الفصوص"وأمثالهما مِمَّن يَقُول بِمثل هَذَا الْكَلَام، وَحَقِيقَة مَذْهَبهم يؤول إِلَى التعطيل الْمَحْض، وَأَنه لَيْسَ للْعَالم ربّ مباين لَهُ، بل الْخَالِق هُوَ الْمَخْلُوق، والمخلوق هُوَ الْخَالِق )) .

وانظر أيضًا موافقة أبي حامد الغزالي الفلاسفة في الأصول"الدرء" (4/ 281) وما بعدها.

ففي هذا بيان اضطراب منهج أبي حامد الغزالي في منهجه، وخلطه لمذهب الأشعري بكلام الفلاسفة وعبارات الصوفية، مما يفضي إلى لوازم خطيرة عند فلاسفة الصوفية، مما يؤول إلى غاية التعطيل ولا حول ولا قوة إلا بالله. وسببه هذا الخلط لطرائق الصوفية والفلاسفة بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنتج ذلك الخلط!!

وأيضًا فتح أبو حامد رحمه الله بابًا عظيمًا للفلسفة ولجت منه القوصية والباطنية إلى الصوفية، والأشعرية، وكتابه"الإحياء"شاهد ذلك.

المبحث الثاني: المراحل التي مرَّ بها أبو حامد الغزالي:

من مجمل كلام مترجميه، وتقريرات شيخ الإسلام في مواضع من كتبه أفهم أن أبا حامد تنقل من مرحلة الأشعرية ــــ التأويل ــــ إلى الفلسفة حيث بلعها ولم يستطع مجها حيث أمرضه"شفاء ابن سينا"و ثم إلى التصوف والعزلة، وآخر أمره الاعتصام بالحديث والعكوف على"الصحيحين"، حتى مات و"صحيح الإمام البخاري"على صدره، لكنه لم يؤلف في هذه المرحلة الأخيرة ما يدل على رجوعه عما سطَّره وقرَّره قبلُ، هذا ويحسن التنبيه أنه: لو مُدَّ له في عمر أبي حامد الغزالي؛ لأبدع في حديث الرسول أيما إبداع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت