المبحث الثاني
أسس الحضارة وعناصرها ومقوماتها ومراحل نشؤها وأهميتها
أولًا: أسس الحضارة وعناصرها ومقوماتها:
لقد اعتمدت الأمم السالفة أسسًا فكرية ونفسية كانت القوة الدافعة والموجهة والمخططة لها وبان أثر هذه الأسس في البناء الحضاري لتلك الأمم، فقد مجَّد اليونان الإغريق العقل وحده لبناء حضارتهم ونتج عنه خلال قرون عدة علومًا فلسفية ورياضية ونفسية وطبية وغير ذلك، ولم تفِ هذه العلوم بصورة شاملة لحاجيات ومتطلبات الحياة كلها، فلم تكن تلك الحضارة تعطي صورة مثلى للحضارة الإنسانية، وكذلك فعل الرومان فكانوا يُمَجّدون القوة وحدها، وهذا يعني بسط السلطان الروماني على الشعوب وتحقق لهم ذلك حيث استمرت حضارتهم لقرون عدة لكنها كسابقتها لم تكن مثالية للحضارة الإنسانية، كما كوَّن الفرس حضارة واسعة معتمدين على أسس فكرية قائمة على القوة واللذة الجسدية والسلطان، وفعل الهنود في بناء حضارتهم على أسس فكرية قائمة على القوى الروحية وتنميتها بقهر مطالب الجسد وكبت غرائزه، وأما حضارة القرون الحديثة (القرن الثامن عشر ميلادي) فأسسها الفكرية قائمة على تمجيد العلوم المادية والاستفادة من جميع الطاقات الكونية الكامنة والظاهرة لخدمة الجسد ومنحه وافر الرفاهية والمتعة واللذة وغيرها، فتحقق لهم مجموعة ضخمة من المبتكرات والمخترعات في المجالات السلمية والحربية ومجموعة من النظم والتشريعات الوصفية التي ساهمت في تنظيم علاقات الناس أفرادًا وجماعات وأممًا ودول، لكن كل هذا لم يعطِ الإنسانية حضارة راقية متكاملة المعالم، وأما حضارتنا الإسلامية فهي وبدون تحيِّز الحضارة الوحيدة التي اشتملت أسسها الفكرية والنفسية على تلبية حاجات الحياة كلها على مختلف النواحي الفكرية والنفسية والجسدية والمادية والفردية والاجتماعية، وعلى جميع المجالات العلمية والعملية [1] ، ويشهد على هذا من هم ليسوا من ملتنا ومنهم غوستاف لوبون حيث قال: (وبالعرب بدأت وسبب ذلك أنَّ حضارتهم من الحضارات التي اطلّعت عليها في رحلاتي
(1) الميداني حبنكة، أسس الحضارة الإسلامية ص 11 وما بعدها.