الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه وبعد:
فتعد دراسة التراث العلمي العربي من الدراسات التي تلقي الضوء على التطور التاريخي للعلوم العربية، وما أنجزته العقلية العربية في هذا الميدان للحقبة التاريخية التي ابتدأت بعصر صدر الإسلام وإلى يومنا هذا، كما ويرى الكثير من العلماء سواء أكان من المؤرخين أم ممن له اهتمام في هذا الجانب استحالة فهم تاريخ الأمة الإسلامية دون الخوض وفهم النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتي تشكل جزءًا حيويًا من تجربتنا الإنسانية التي تؤدي بنا في النهاية إلى فهم الجوانب الحياتية الأخرى.
إن دراسة التاريخ لهذه الجوانب خلّفت لنا كمًا هائلًا من الخبرة التي أوضحت لنا كيفية وقدرة الأمة على أن تمثل نفسها في الزمن الماضي، وأدى إلى ظهور مرحلة جديدة يمكن الإضافة إليها والإبداع إلى جوانبها لأصل بناء كيان جديد يضاف إلى كيان الأمة العربية والإسلامية بجانبه الحضاري المتميز.
وكما أشرت إلى أنَّ دراسة هذه الجوانب يمكن أن تقدم لنا صورةً حقيقةً عن سيرة الأمة العربية الإسلامية، نستفيد من خلالها تجنب الوقوع في هاوية مظلمة، وقد وقع فيها فعلًا عددٌ غيرُ قليلٍ من أسلاف هذه الأمة، ولابد لنا ونحن نستعرض الحياة الفكرية لهذا العَلَم أو ذاكَ أن نبيِّن إسهاماته في البناء الحضاري أن نتناول حياته الشخصية، ومن الوفاء علينا أن نسلّط الوضوء على جوانب من أركان ترجمته وبحسب ما توفر لدينا من معلومات، ثم ننتقل إلى آثاره العلمية التي أغنت المكتبة العربية والإسلامية ونفعت المسلمين عامة، وبيان هل هذا العَلَم كان مبتكرًا أم ناقلًا عن غيره، كذلك بيان تأثره بمن سبقه وتأثيره بمن جاءوا بعده، واقتبسوا منه أو طوّر عمله هذا الذي تصدر به الريادة في هذا الميدان.
وقد قسمت البحث على خمسة مباحث، فكان المبحث الأول في بيان مفهوم الحضارة في اللغة والاصطلاح، وأما المبحث الثاني فبينت فيه عناصر الحضارة ومقوماتها ومراحل نشؤها وأسسها، وأما المبحث الثالث فدرست العوامل التي ساهمت في ازدهار الحركة العلمية في بغداد للقرن الثالث والرابع الهجريين، وأما المبحث الرابع فذكرت فيه نماذج