مصر أقام بها طويلا وكان شيئا عجيبا ما رأينا مثله لا قبله ولا بعده وكان يتفقه على مذهب أبى ثور وعزل عن القضاء سنة إحدى عشرة لأنه كتب يستعفى ووجه بذلك رسولا إلى بغداد وأغلق بابه وامتنع من الحكم فأعفى، فحدث حين جاء عزله وأملى مجالس ورجع إلى بغداد وكان ثقة ثبتا مهيبا مصمما مضبوط الكلمات قليلها وافر الحرمة لم يره أحد يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يغسل يده إنما يفعل ذلك في خلوة وهو منفرد بنفسه، وولى قضاء واسط قبل مصر وكان أمير مصر يأتي إلى داره قال: وهو آخر قاض ركب إليه الأمراء بمصر، وقد أطال ابن زولاق في ذكر أخبار القاضى أبى عبيد والثناء على محاسنه وقول أهل مصر إنهم لم يروا قبله ولا بعده قاضيًا مثله، قال: وكان يذهب إلى قول أبى ثور ثم صار يختار فجميع أحكامه بمصر باختياره وحكم بمصر بأحكام لو حكم بها غيره أقبلت، فقال من عند القاضى هنأته بدخول الشهر قال ابن الحداد فقلت له كيف رأيت القاضي قال: رأيت رجلًا عالمًا بالقرآن والفقه والحديث والاختلاف ووجوه المناظرات وعالمًا باللغة والعربية وأيام الناس عاقلًا ورعًا زاهدًا متمكنًا، توفى في صفر سنة تسع عشرة وثلاثمائة ببغداد [1] .
2.المحاملي القاضي الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد ومحدثها أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبي البغدادي (ت 341 هـ) ، أول سماعه في سنة أربع وأربعين سمع أبا حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي صاحب مالك وعمرو بن علي الفلاس وزياد بن أيوب وأحمد بن المقدام العجلي ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن المثنى العنزي وأبا هشام الرفاعي وعبد الرحمن بن يونس السراج والزبير بن بكار وطبقتهم ومن بعدهم فأكثر وصنف وجمع، روى عنه دعلج والدارقطني وابن جميع وإبراهيم خرشيد وآخرون، قال الخطيب كان فاضلًا دينًا صادقًا شهد عند القضاة وله عشرون سنة وولي قضاء الكوفة ستين سنة، وقال بن جميع الغساني عند المحاملي سبعون نفسًا من أصحاب سفيان بن عيينة وقال أبو بكر الداودي: كان يحضر مجلس المحاملي عشرة آلاف رجل واستعفى من القضاء قبل سنة عشرين وثلاث مائة، وكان محمودًا في ولايته عقد بالكوفة سنة سبعين
(1) السبكي، تاج الدين بن علي بن عبد الكافي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي، ط 2، هجر للطباعة والنشر (الجيزة، 1413 هـ) 3/ 446 وما بعده.