الباحة الرابعة سمعنا لغطًا من هناك أثار انتباهنا. فأسرعت كعادتي وجعلت أسترق النظر من شق في باب المهجع أستطلع الأمر. فرأيت الشرطة منكبين على رئيس المهجع من بيت خريطة من الزبداني - وكان نقيبًا في الجيش قبل اعتقاله - يضربونه ويركلونه وهو عاري الصدر بين أيديهم ويأمرونه بابتلاع شيء بالإكراه يحمله بيده. فلما دققت النظر وجدتها فأرة ميتة ينهالون عليه ضربًا ويجلدونه واحدًا بعد الآخر وهم يأمرونه أن يبتلعها. والأخ المسكين برغم كل هذا العذاب لا يستطيع أن يفعل. حتى إذا اشتد عليه الضرب وأرهقه الجلد وخارت قواه دسوا الفأرة في فمه دسًا وبلعوه إياها ورموا به في المهجع. وكان يتولى كبر هذه العملية شرطي منهم كان يسمي نفسه أبا غضب. وكان أشد ما يحلو له أن يصفع الواحد منا بكفه التي تملؤ قدرًا وتفيض فيكاد يخرق له طبلة أذنه وهو يقول بانتشاء: خذها من أبي غضب ولا!
ولم تمض من الزمن برهة حتى دق رئيس مهجع 18 الباب وأخبر الشرطة بشيء لم أفهمه تمامًا. لكنني عدت وسمعت أصداء حديث يدور حول الفأرة. وفي المساء حضر أبو غضب إلى مهجعنا ونادى على المسؤول الصحي لدينا وكان الأخ غسان عبد الباقي من حماة، وسأله ما الذي يمكن أن يحدث للإنسان إذا أكل فأرة .. هل يموت؟ وقتها لم يجد الأخ إلا أن يتملص من الإجابة ويقول له لا. قال له أبو غضب: انقلع. وأقفل الباب ومضى. ولم نتبين ما الذي جرى للأخ بالتحديد، لكننا أدركنا أن ضررًا أصابه، وأنه لم يكن بالضرر المعتاد. الأمر الذي جعلهم يعطون الأمر بعض الأهمية فيسألون ويستفسرون!
إلى المزبلة!
وهكذا لم ينقطع العذاب أبدًا. ولم يتوقف الإرهاب والضغوطات النفسية لا في الليل ولا في النهار. ولم يعد واحدنا ينعم بأدنى حد من الراحة حتى ولو في المنام. فكادت النفوس أن تنهار، وبلغ الصبر فينا منتهاه. وانتهى الحال ببعضنا أن فقد عقله أو كاد. وفي ليلة باردة من ليالي شهر كانون الأول من عام 1989 صحونا على صوت أحد السجناء من مهجع 20 القريب يصيح ويشتم الشرطي بملء فمه. وسرعان ما حضر عدد من الشرطة العسكرية نحس وقع أقدامهم ونسمع أصواتهم ونادوا عليه يسألونه:
شو مالك ولا؟
ولم يكن الحوار كله واضحًا لنا، لكننا سمعناهم يأمرون رئيس المهجع أن يربط الأخ ويضعه في"البخشة"وهو الحمام كما كانوا يطلقون عليه. وفي الصباح جاء مساعد السجن محمد نعمة فأخرجه