[الشهادة الأولى]
تدمر شاهد ومشهود
بقلم السجين السابق / محمد سليم حماد
(قضى 11 عامًا في سجن تدمر)
(هذه الشهادة عبارة عن كتاب كتبه محمد سليم حماد)
محمد سليم حماد، أردني، قضى 11 عامًا في سجن تدمر الصحراوي في سورية، وذاق ورأى خلالها صنوف العذاب والهوان، الذي تُمارسه أجهزة القمع السورية بحق أبناء شعبها، محمد سليم حماد لم يكتم شهادته، بل أصدرها في كتاب، لتكون شهادة على وحشية هذا النظام.
مقدمة
كانت الحياة ضحى ذلك اليوم البارد من آخر أيام سنة 1991 تمضي في مدينة تدمر الصحراوية على غير ما جديد. فالأطفال مضوا مبكرين إلى مدارسهم. والأمهات في المنازل يلُكْن الأحاديث مع الجارات وقد أمنّ انصراف الرجال إلى أعمالهم وخلو البيت من المنغصات. والدكاكين في السوق الرئيسي للبلدة استقبلت روادها الذين اختلط النساء فيهم بالرجال، والمدنيون بالشباب المجندين، والمترجلون بالراكبين، والدواب بالسيارات .. وكلٌ ينفث من صدره همًا أو يرسل زفرة التياع. فهذا جندي متأخر في إجازته يريد اللحاق بوحدته العسكرية ولكن سائق السيارة الذي لا يزال يأمل في اصطياد راكب إضافي يماطل ولا يتحرك. وصاحب الدكان ضاق ذرعًا بزبونته التي أطالت معه الجدال من أجل أن يخصم لها من سعر الحاجيات التي اشترتها بضع ليرات هي كل ربحه من هذه الصفقة التافهة، وما عادت تكف عن الرجاء والاستعطاف. وحتى الحمار الذي حمّله صاحبه من البرتقال أكثر من قدرته في هذا السن المتقدم صمم فجأة على تسجيل موقف مشرف .. فحرن وسط الطريق العام، وأحدث أزمة سير سببت له ولصاحبه سيلًا من الشتائم بالألسنة أو الزمامير النزقة .. لكن الحمار وحده هو الذي لم يهتم!
وعلى هذا الطريق ومن حيث تدلف السيارات القادمة من جنوب المدينة فتعبرها باتجاه حمص، كان أحد باصات"التويوتا"أحمر اللون يغذ بنا السير نحو الاتجاه نفسه، من غير أن يلفت انتباه أحد من كل هؤلاء الناس أو يعني لهم أي شيء. لكننا نحن ركاب الحافلة الذين ارتدينا جميعًا ملابس عسكرية كاكية اللون تكاد تكون جديدة، وقبعنا في مقاعدنا يلفنا صمت مطبق، كنا اللحظة كالخارج من رحم أمه أول مرة، أو كالقادم إلى الأرض من كوكب لم يكن فيه من البشر من قبل