فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 711

أحد. وحينما أطلق السائق النزق شتيمة سافلة للحمار وصاحبه، وتخطاهما يكاد يحرق محرك الباص من غير سبب حقيقي أو مبالاة .. كنت وبقية الركاب الآخرين لا نزال نحملق في الحمار صاحب الموقف .. وببقية عباد الله حوله. ونتابع بعيون نهمة قدر ما هي وجلة كل شاردة وواردة تخطر حولنا. ثم لا نلبث أن نخفض رؤوسنا بانكسار .. ونرد الطرف وهو حسير .. وننصت متوجسين خشية أن يكون أمر ما قد صدر ونحن في سرحاننا هذا فأوجب علينا تلكؤنا بالإجابة العقاب!

ويمضي الباص بنا في اتجاه دمشق .. وتمضي بي الهواجس تسري من جديد، وتنفجر في داخلي العبارة التي لا تزال تعصف في أذني كالبركان منذ أيام ثلاثة مضت ولا تكف عن الترداد تقول:

"سيادة الرئيس أصدر قرارًا بالعفو عنكم .. وإن هي إلا أيام حتى تكونوا بين أهاليكم".

لكنني أراني كالملسوع ومن غير مقدمات يقفز من أعماق أعماقي صوت آخر كحشرجة المحتضر يقول: بعد اثني عشرة سنة .. من يُصَدِّقْ؟ ومن يثق بمن؟ ثم ماذا إذا صَدَقُوا؟ أي مستقبل لنا وأية حياة؟ وأين سيكون موقعنا بين هؤلاء الذين فارقناهم في أعمارنا فصاروا الآن آباء ورجالًا لهم في الحياة مركز وموقع؟ أو موقفنا من أولاء الذين خلفناهم وراءنا حتى من غير أن نقول لهم كلمة وداع!

وسرعان ما أنتبه من حواري الصامت هذا على أحد المرافقين يقهقه بصوت مجلجل من غير أن أفهم السبب .. أتأمله من طرف عيني فكأنه بشعره النابت وشاربيه المتدليين وسحنته السمراء نوع من المخلوقات انقرض من عهد بعيد واختفى، ثم ها هو ذا يعود الساعة إلى الوجود!

كان من أغرب المشاهد حقًا علي وعلى قرابة خمسة وثلاثين أخًا يستقلون الباص معي أن نبصر رجلًا طبيعي الهيئة معافى البدن يقهقه ملأ شدقيه بلا خوف ولا وجل .. بعد أكثر من عشرة أعوام أمضيناها في سجن تدمر الصحراوي، لا نبصر إلا وجوه المعتقلين صفراء ناحلة، ورؤوس نزلاء الزنازين محلوقة كالبطيخة الملساء .. وهاماتهم مطأطئة من القهر على الدوام .. تتلقى كل أصناف العذاب، ولا حق لها أن تنبس ولو ببنت شفة!

كانت تلك هي نهاية الكابوس المرعب أو مراحل نهايته الأخيرة. وكانت المشاعر والهواجس خليطًا من الفرح والوجوم .. والبشرى والتوجس .. والتشوف والتخوف. لكن البدايات كانت مذ كانت غير ذلك .. وفاتحة الرحلة ها هي كما ارتحلتُ بها من قديم الزمان.

سنوات الشباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت