عينيه حين النوم. علاوة على أن يكون النائم دائمًا على جنبه باستمرار. فعدنا بذلك إلى وضعية الإنكشاف المستمر للشرطة الذين يتجولون فوق المهاجع باستمرار. وصار واحدهم إذا شاهد من الشراقة أحدًا منا يتقلب في الليل خلال نومه أو يتحرك حتى ولو من غير إرادته صاح بالحرس الليلي أن يوقظه ويعلّمه. فإذا أصبح المسكين كان الشرطي وعذاب لا يعلمه إلا الله في انتظاره!
ولكم كان الشرطي يطل على المهجع بعد منتصف الليل يتصيد أحدًا يشبع فيه تشهيه للقتل والتعذيب. فإن لم يجد كان أسهل ما يكون عليه أن ينادي على الحرس الليلي ويأمره أن يعلّم نفسه! بل إنهم كانوا يحضرون في الصباح ويسألون رئيس المهجع أين المعلَّم. فإن لم يكن الشرطي قد علّم أحدًا ليلتها قالوا له: أخرج الحرس الليلي من ساعة الثانية عشرة إلى الواحدة مثلًا. فيخرجونه ويتسلون بتعذيبه وضربه من غير أي سبب.
وضاعف الشرطة من ترصدهم للمصلين. وصار أمرًا اعتياديًا أن يخرجوا رئيس المهجع ويسألونه عن أسماء الذين لا يزالون يصلون عنده. ولقد حدث ذلك معي مرات عديدة. فأخرجوني وسألوني وضربوني لأقدم لهم أسماء من يصلي أو يُدَرِّس في المهجع!
طلاق بالإكراه
ومن مشاهد تلك الفترة التي لا تزال تحضرني قصة طبيب أسنان من دمشق اسمه رضوان العمر استدعوه بعد حوالي تسع سنوات مضت على اعتقاله وأمروه في الذاتية أن يوقع على ورقة طلاق زوجته. وذعر الأخ .. ورفض أن يفعل. لكن جلسة التعذيب التي أتبعت رفضه جعلته يوافق مكرهًا. فكانت من ثم القاصمة له. ووجد نفسه بعد هذي السنوات يفقد زوجه وطفله من غير إرادته ومن دون أن يعرف السبب، ومن قبلهما فقد شبابه وحريته مع ألوف من خيرة أبناء الوطن مثله. ولا أدري ما الذي حل بالأخ بعدها، لكن آثار محنته الأخيرة تلك نزلت عليه كانت أثقل ربما من كل ما نزل به طوال سني اعتقاله. ولم يكن له ولا لنا أمام ذلك كله إلا التسليم والإحتساب
الفأرة!
ولقد كان أمرًا شائعًا منذ بدايات أيامنا في تدمر أن يأمرنا الجلادون بتناول بقايا الطعام من بين القمامة وأكلها عنوة، أو التقاط ذبابة أو صرصار يصادفنا في الباحة وابتلاعه. ولم يكن بعضهم ليتورع عن البصاق على الأرض وإجبار واحد من السجناء على لحس بصاقه بعده. لكننا وعندما حان موعد الطعام في يوم من أيام عام 1989 ووصل الدور على مهجع 18 المقابل لمهجعنا على