فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 711

ومجموعة أخرى من السجناء الأحداث إلى سجن صيدنايا الذي بني حديثًا وقتها. فلما خلا المستوصف من الشيوعيين نُقلت إليه مع مجموعة من السجناء الآخرين. ثم لم نلبث في هذه الفترة العصيبة أن تناهى لأسماعنا وصول دفعة جديدة من المعتقلين حلوا بدلًا عن المغادرين إلى صيدنايا. ولقد بلغنا أن الوافدين الجدد اتهموا بحوادث تفجير باصات وقطارات وقتها، وأن عددهم كان بين الستين والسبعين، عزلوهم كلهم في مهجع مستقل وسلطوا عليهم أشد أنواع العذاب حتى قضى عدد منهم حتفه. ولقد كنا نسمع أصواتهم وهم يعذبون ونتلقى نتفًا من أخبارهم من هنا وهناك، غير أننا لم نلتق بهم ولم نعرف عن مصيرهم شيئًا مؤكدًا بعد ذلك.

وبعد أن مكثت هناك فترة تم نقلي ثانية إلى مهجع 29. ثم لم ألبث أن نقلت مرة أخرى إلى مهجع 28. وبعد حوالي خمسة أو ستة أشهر تالية نقلت من جديد إلى مهجع 22 في الباحة الرابعة. وفي هذا المكان تعرضت إلى محنة جديدة كدت أن أفقد حياتي بسببها وقتذاك. ورأيت من الأهوال هناك ما كاد ينسيني كل هذا الذي رأيت وعانيت من قبل!

حتى في المنام!

كانت الأسابيع الأولى التي أمضيتها في مهجع 22 كالواحة التي فاجأت عابرًا أنهكه العطش وهدّه التعب في صحراء قاحلة. فمن قبل كنا في المهاجع الأخرى معرضين ليل نهار لمراقبة الشرطة من فوق الشراقات. ولم نكن بذلك نأمن شرورهم بسبب كان أو من غير سبب. فلما جئت مهجع 22 وجدته من غير شراقات. ووجدتنا على الرغم من الشدة المحيطة وسوء الأحوال نغتنم هذه الفرصة ونتنعم بها أيما تنعم. فوقتها استطعنا من أن نعود إلى صلاة الجماعة ونؤديها بشكل طبيعي بعد أن حرمنا ذلك كل هاتيك السنين. وصار أحدنا إذا أراد أن يتحدث في الأوقات التي لا يتردد الشرطة فيها علينا وقف وتكلم وأنصت له الباقون وحاوروه وشاركوه.

كذلك كانت تلك الفترة استثنائية بالنسبة لتوفر الطعام أيضًا. فلم يكن عددنا قد جاوز الستين ولكننا كنا نتلقى طعامًا مخصصًا لحوالي المائة والخمسين وفق ما اعتاد الشرطة أن يحشروا في هذا المهجع وفي سواه. ولقد تم اختياري رئيسًا للمهجع 22 أيضًا من أول ما وصلت إليه.

لكن هذه النعم لم تطل. ومع اشتداد الأحوال في السجن عام 1988 وازدياد الأوامر صرامة وقسوة فوجئنا بالإدارة تقرر فتح شراقتين في سقف المهجع 22 أسوة ببقية المهاجع الأخرى. وعاد التنفس ليصبح مرتين في الصبح وفي المساء. ومع كل موعد تنفس حفل تعذيب .. ومع كل فتحة باب للتفقد أو لإدخال الطعام حفل آخر. ولم تلبث أن صدرت إلينا الأوامر لأول مرة خلال فترة سجننا بالكامل أن نغطي أعيننا ونحن نيام! وألزمونا أن يحتفظ كل منا بطماشة دائمة معه ليغطي بها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت