مهاجعنا. ومن يومها وعلى مدى أسبوعين تاليين ظللنا نخرج إلى التنفس مرتين في اليوم من غير ضرب أو تعذيب. وسمحوا لنا وقتها أن نرش أرض الباحة الإسمنتية بالماء للتخفيف من حدة الحر. ثم لم تلبث هذه الإستثناءات أن انتهت. وعدنا إلى برنامج المعاناة نفسه. فنجونا من الحر القاتل ومن الإختناق ولكن إلى حين!
تنقلات
مضت أيام قليلة على حادثة الإختناق تلك لأراني أنقل من مهجع السل 29 إلى مهجع جديد للأصحاء بنوه أمام مهجع 25 في الباحة السادسة أطلقنا عليه اسم"جديد ظهره". فوجدتني في مساحة غرفة ونصف محشورًا مع مائة وعشرين سجينًا نكاد من شدة الزحام أن نجلس فوق بعضنا البعض!
ولقد تم اختياري رئيسًا لهذا المهجع أول ما دخلناه. فلما رأيت الحالة على هذا الشكل اندفعت مع أول وجبة طعام يحضرونها إلينا وقلت للمساعد أن العدد كبير هنا. ومن غير أن يجيبني بشيء مضى المساعد وأرسل الشرطة بعد قليل فأخرجوني وأطعموني قتلة قيامًا وقعودًا رجعت منها إلى المهجع محملًا!
لكن الحر لم يكن ليرحمنا .. والمكان يطبق علينا بجدرانه الصماء فكأنه القبر. ولم تمض أيام قلائل حتى طفح الكيل بنا وفقدنا القدرة على التحمل. وجعلنا قرابة منتصف الليل ننادي الشرطة وندق الباب ونقفز نحو النوافذ نكاد نختنق. وعاد الشرطة فأخرجونا إلى الباحة ساعة زمن ثم أعادونا. ثم لم يلبثوا وأن عادوا وطلبوا عشرين شخص منا ليغادروا إلى مهجع آخر فكنت في طليعتهم. ووجدتهم يقودوننا إلى مهجع 28 في نفس الباحة. فكانت فرصة لي للنجاة من الإزدحام من جهة، والتعرف على إخوة جدد من ناحية أخرى. كان من أبرزهم الشيخ محمد سعيد عطا أحد تلاميذ الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي. فاستفدت من علمه ومن صحبته.
كذلك التقيت في مهجع 28 رجلًا من بيت العطار من حلب وجدت الإخوة يجهدون في مداراته وخدمته والتخفيف عنه. ولم ألبث أن أعلموني أن المسكين شهد سَوْقَ ولديه الإثنين إلى الإعدام أمامه وهما في مقتبل العمر. وما زاده ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا
مغادرون .. وقادمون!
ولم تطل إقامتي في مهجع 28 كذلك، فلم ألبث أن نقلت من جديد إلى مهجع السل 18 في الباحة الرابعة فكانت محطة قصيرة أخرى، حدث خلالها أن قامت إدارة السجن بنقل الشيوعيين