فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 711

ومما لا يزال واضحًا في ذاكرتي عن ذلك العام أنهم منعوا فيه الصيام عنا في رمضان لأول مرة. فمن قبل كانوا يأتون لنا بالسحور والفطور بدل وجبات الطعام المعتادة. لكنهم وابتداء من رمضان عام 1986 امتنعوا عن ذلك. وصارت الوجبات الثلاث على فقرها تأتينا في مواعيدها العادية. وصار ممنوعًا ادخار الطعام إلى الفطور أو السحور. فإذا أحسوا أن أحدنا صائم أخرجوه وقتلوه قيامًا وقعودًا وأجبروه على الإفطار. وهكذا صرنا ممنوعين من الصلاة ومن الصيام معًا. وزادنا الزبانية بذلك همًا جديدًا وقهرًا وعذابًا من نوع آخر.

كذلك يحضرني من ذكريات عام 1986 المريرة إعدام العميد أحمد غنوم الذي اعتقل منذ عام 1980 وظل طوال تلك السنين يعاني عذابًا مضاعفًا من الشرطة الحاقدين الذين كانوا يتلذذون بتعذيبه رحمه الله، ويحسون بالنشوة وهم يرون إنفسهم يتحكمون بهذه الرتبة العسكرية العالية وهم مجرد أفراد مجندين في التسلسل العسكري.

اختناق

ومع اشتداد الكرب وتوافد المزيد من السجناء على المهاجع التي اكتظت بنزلائها حدثت في شهر آب من عام 87 حادثة مثيرة. ففي ذلك الشهر الذي يسمونه آب اللهّاب ارتفعت الحرارة بشكل غير معقول في الوقت الذي كانت التهوية في المهاجع منعدمة والشراقات والنوافذ تجلب المزيد من السخونة ولا تقي من وهج الشمس شيئًا، مما تسبب في حادثة اختناق جماعي كادت تودي بأرواح العشرات.

ولقد بدأ الإختناق وقتها في مهجع السل 36 قبيل المغرب وأخذ السجناء الذين شارفوا على الموت يقرعون الباب وينادون الحرس وقد طاشت منهم العقول وشارفوا على الهلاك. فلما أتوا يسألونهم عم حدث صاحوا فيهم أنهم يختنقون. لكن الشرطة لم يأخذوا الأمر مأخذ الجد وتلكأوا في الرد عليهم. ففقد السجناء المساكين عقولهم وقد قاربوا أن يفقدوا أرواحهم جميعًا، وأخذوا يقرعون الباب ويدقون على الجدران ويرفعون أصواتهم بالصراخ والمسبات.

وسرعان ما صدرت الأوامر للشرطة فانتشروا على أسطحة مهاجع الباحة كلها، وسلطوا الرشاشات الكبيرة 500 مم على المهجع خشية أن يتطور الأمر إلى تمرد أو عصيان جماعي، ثم فتحوا الباب للسجناء ليخرجوا إلى الباحة. وما أن فعلوا حتى اندفع الإخوة من غير وعي لا يلوون على شيء. وارتموا على الأرض يتلوون ويتقيأون. وحضر طبيب السجن وقتها وتأكد من جدية الأمر. ولم يلبث أن صدر الأمر بإخراج سجناء المهاجع كلهم إلى الباحات تفاديًا لتكرار الأمر. وبقينا يومها في الهواء الطلق حتى قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل قبل أن يعيدونا إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت