وهكذا انتشرت المجاعة في السجن وازدادت الأمراض وتزايد عدد الوفيات. حتى صرنا نودع في بعض الأحيان أخًا وأخوين كل يوم. وفي تلك الفترة وزيادة على البلاءات التي نحن فيها دهمنا عن غير ما موعد وباء اليرقان الكبدي .. فجعل الضحايا يتزايدون. ولخطورة هذا الوباء دعت إدارة السجن رؤساء المهاجع جميعًا إلى لقاء مشترك لتدارك الأمر. وكانت خشية الإدارة في مثل هذه الأحوال تنصب على المسؤولين وأفراد الشرطة بالدرجة الأولى. خوفًا على أنفسهم وخشية من أن تطولهم العدوى إذا انتشرت فينا. ولقد وفق الله أحد المسؤولين الصحيين وقتها فأبدى قناعته بأن الوباء إنما ينتشر عن طريق الدم بالدرجة الأولى. وأن ذلك يتم خلال الحلاقة الجماعية. ومن لطف الله أن إدارة السجن اقتنعت بكلامه. فتقرر من وقتها وقف الحلاقة الجماعية. وتم تسليم رئيس كل مهجع ماكينة حلاقة يدوية. يكون مسؤولًا عنها وعن أمر الحلاقة الدائمة لمهجعه. فرحمنا الله من عذاب الحلاقة من يومها. وخلصنا سبحانه من بعض هذا الضنك.
منع الصيام
واستمرت المحنة تدور رحاها من غير رحمة. ولم يعد للأيام ولا السنوات في حياتنا معنى .. فالبرنامج اليومي لا يكاد يتغير. والعذاب والمعاناة لا تترك لواحدنا فرصة التقاط الأنفاس. والقتل والإعدامات قتلت فينا شهوة الحياة وأطفأت معنى المستقبل لدينا. وهكذا حل عام 86 متصلًا بمأساة الأعوام التي سبقته وواصلًا إياها لما بعده من أعوام تلت. وفي بداية ذلك العام كان قد جرى نقلي إلى مهجع المسلولين 29 في الباحة السابعة وصرت رئيسًا له منذ ذاك. ولم يكن في الساحة التي عليها المهجع إلا مهجع ثان فقط هو مهجع 30 إضافة إلى المستوصف الذي تم تخصيصه للسجناء الشيوعيين كما ذكرت. فكان نصيبنا من التنفس مضاعفًا. وبدل أن يكون مرة في اليوم كما جرت العادة فقد أصبح مرتين الآن صبحًا ومساء. ساعة في كل مرة بدل أن تكون نصف ساعة كما سبق. وهذا يعني مزيدًا من العنت والقتل والتعرض لأذى الشرطة المتربصين.
ولقد اشتد أذى الشرطة في تلك الفترة زيادة عما هو عليه وتمادوا في عدوانيتهم. فكنا إذا خرجنا إلى التنفس في الصباح أو في المساء جهزنا أنفسنا لحفل كامل من التعذيب ينتظرنا. ولكم كان يحلو لهؤلاء الزبانية أن يبطحوا واحدًا منا على الأرض ويأخذوا بالقفز على ظهره أو على صدره بلا رحمة. ولكم تكسرت أضلاع إخوة منا في هذا النوع من التعذيب. ولا أنسى كيف قام واحد من هؤلاء الموتورين مرة بإخراج عضوه على مرأى الناس جميعًا وأخذ يبول علينا ونحن جالسين القرفصاء بين يديه في موعد التنفس! وأما الجلد والضرب والمسبات البذيئة فهذه كلها لم تعد تدخل في الحساب لأنها جزء لازم من حياتنا على مدار السنوات التي خلت.