فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 711

فصليت ركعتي الشهادة على عجل. وجعلت أخلع عني ملابسي ليستفيد منها الإخوة الآخرون من بعدي .. ووقفت عند الباب متوجسًا أنتظر أن ينادوا علي. وجعل الإخوة يقتربون مني واحدًا بعد الآخر يودعونني ويثبتونني .. وراحت الخواطر تأخذني يسرة ويمنة .. وعبرت صورة أهلي أمام ناظري فغصصت. وتوجهت إلى الله تعالى أدعوه بسري أن يلهمهم الصبر والسلوان .. وأن يجمعني معهم في الجنة. وأخذت أسأله سبحانه أن يغفر لي ويتغمدني برحمته .. وأنظر إلى الباب أنتظر أن يفتح اللحظة. فإذا مرت قلت هي اللحظة التالية. لكن الوقت مر .. وانتهى تنفيذ الأحكام .. وهدأت الأمور في الخارج ولم يأت أحد. فلم أجد إلا أن أرتد إلى مكاني كما يرتد الغريق من غيبوبة الإختناق إلى صحوة الحياة.

وأيقنت أن في العمر بقية لم تزل، وأن الأجل لم يحن بعد. ومضت أسابيع أخر .. واستعدت ساحتنا لتشهد مجموعة جديدة من أحكام الإعدام. وعاد الشرطي إلى مهجعنا فنادى الأخ الآخر حزين قاسم الذي حكم معي .. وساقوه إلى الموت وأنا عند الباب أنتظر دوري كما فعلت المرة السابقة. لكن أحدًا لم يحضر لطلبي. وانتهت عملية الإعدامات كذلك من غير أن أكون أحد ضحاياها. وأخذت كلما سيقت إلى الإعدام دفعة من الإخوة أكرر ذات الموقف طوال السنوات الخمس التي تلت! لا أشك في أي مرة منهن أن دوري قد حان الآن. وأحس أن خطأ ما قد حدث في المرات السابقات ولسوف يصححونه هذه المرة ويقودونني إلى أجلي لا ريب!

تقنين الطعام!

ومرت الأيام والشهور ولم يحن الأجل .. وخلال ذلك تم نقلي من مهجع 35 إلى مهجع السل 37 فالتقيت وجوهًا جديدة، وتعرفت على إخوة لم يسبق لي أن التقيتهم من قبل. لكن الظروف كانت متماثلة، والمعاناة ظلت واحدة. وزاد البلاء حينما طبق علينا نظام تقنين الطعام ابتداء من شهر أيلول 1986 فصار نصيب أحدنا من الخبز نصف رغيف فقط بدل الرغيفين الذين كنا نحصل عليهما في السابق! وصرنا من جوعنا نأكل قشرة الصمونة مع واحدة من الوجبات ونوفر العجين بلبّها الذي لم ينضج للوجبة الثانية بعد أن اعتدنا في الفترة السابقة على رميه لأنه يصيب آكله بوجع البطن ولا يقي من الجوع. لكنا مع شدة الحاجة صرنا نعجنه مع البصل والملح ونوفره للوجبة التالية. ويوم أن كان يأتينا البرتقال كنا نقدمه على البصل فنمزجه بقشره مع العجين، ونرش على الخليط ما توفر لنا من السكر ونحتفل به وكأنه طبق من الحلوى!

اليرقان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت