ومن المضحكات المبكيات التي لا تزال عالقة بذاكرتي عن أيام المحاكمات وحكاياتها أن أخًا ممن عرضوا على المحكمة كان طبيبًا بيطريًا من منطقة الساحل السوري وكان يعمل في قرية دريكيش مسقط رأس سليمان الخطيب رئيس هذه المحكمة الهزلية. ولقد حدث أن أهل سليمان الخطيب كانوا يربون الأبقار كما يبدو. فلما مرضت إحداها أخذوها قدرًا إلى ذلك الأخ ليعالجها. لكنها ماتت بقدر الله بعد ذلك. ودارت الأيام وإذ بالطبيب البيطري يقف أمام القاضي سليمان الخطيب نفسه. فلما عرفه اصفر واستفز وصاح فيه:
آبتذكر يوم جبنالك البقرة وقتلتها ولا؟ روح بدي أعدمك.
ولقد تم إعدام الأخ المسكين بالفعل. وسمعنا القصة من عدد من الإخوة كانوا معه في نفس المهجع التقيناهم بعدها. سمعوا الرواية من الطبيب وشهدوا بأنفسهم إعدامه رحمه الله!
ومما كان يتداوله السجناء عن عبثية تلك المحكمة وسخافة رئيسها ومزاجيته أن أحد العسكريين الذين كانوا يخدمون في مدرسة المدفعية بحلب أيام استشهاد النقيب ابراهيم اليوسف الذي نفذ حادثة المدرسة قبل ذلك بشهور. هذا العسكري أُمِرَ مع بقية الضباط والجنود في المدرسة بالمرور على جثة النقيب المسجاة والبصق عليها. ويبدو أن الأخ امتنع عن التنفيذ أو أحجم أمام هيبة الموت .. فاعتقلوه من ساعتها وساقوه من سجن إلى آخر لينتهي به المطاف بين يدي النقيب سليمان الخطيب هذا في محكمة تدمر. فلما سأله لماذا امتنع عن تنفيذ الأمر العسكري أجاب الأخ بأنه لم يمتنع ولكن ريقه كان ناشفًا. فاتجه سليمان الخطيب إلى كاتب المحضر وأملاه ليكتب:
وبصق وكانت بصقته ناشفة. إعدام!
وأعدم الأخ كذلك .. وظلت القصة تدور على ألسنة السجناء واحدة من مهازل هذا النظام واستهتاره وظلمه. وشاهدًا على سفاهة ذلك القاضي الدعي ومزاجيته وحقده.
في انتظار الموت!
ومضت الأيام .. وبات الموت الآن أدنى إلينا نحن الذين حكمنا بالإعدام. وبعد شهرين .. وكما جرت العادة دومًا نصبت المشانق مع إطلالة الصباح واستعد الجلادون، وبدأت جموع الشباب المؤمنين تساق إلى حتفها. وفتح باب مهجعنا ونادى الشرطي اسم الأخ الذي كان ثالثنا في المحكمة. لكن الذي حدث أنه رحمه الله كان قد مات قبل أسابيع قليلة بين أيدينا بعد أن غلبه السل وقضى عليه. فعاد الشرطي ومن معه يخرجون سجناء آخرين من المهاجع المجاورة. وأما أنا وما أن نادى الشرطي اسم الأخ حتى خلت منيتي قد حضرت. وإذا كانوا قد نادوا عليه فأنا وإياه قد حكمنا في يوم واحد .. وتنفيذ الحكم لا بد وأن يكون في نفس اليوم أيضًا. وهرعت من فوري