أمام جرأة الإخوة أن يجمع أغراضه ويخرج. ومن رئاسة مهجع 26 اقتيد أبو عوض إلى الحلاق هذه المرة فجز شعره وشاربيه، ثم ألقي به في مهجع 31 مجردًا من كل صلاحياته السابقة.
ودارت الدائرة على أبي عوض. وجعل الشرطة منه هدفًا معلّمًا يخرجونه إلى الباحة كل يوم لينال عذابًا مستقلًا. وصرنا نسمع صياحه وتوسلاته تصم الآذان .. وصراخه يملؤ السجن كله. حتى سلخوا جلده من القتل وحطموه من التعذيب. وظل ستة أو سبعة أشهر على هذه الحال يذوق وبال أمره ويكتوي بسيف أسياده أنفسهم. وفي أواخر عام 87 نقل أبو عوض إلى سجن صيدنايا مع مجموعة من السجناء. فأنجانا الله من شره ومكره. وأرانا آية باهرة فيه لا تنسى.
المحكمة!
وانتهى العام .. ومضت أيام عام 85 على نفس الوتيرة من العذاب والقهر والمعاناة .. لتمضي قرابة خمس سنوات على اعتقالي .. حكم خلالها من كان من دفعتي بما حكم، ونفذت الإعدامات بمن كان نصيبه حكم الإعدام ولم تتم محاكمتي أنا بعد. ولقد كان ذلك مصدر قلق دائم لي. فالمصير الواضح يظل في النهاية أخف من انتظار المجهول. والأعمار كلها بقدر الله أولًا وأخيرًا.
وفي يوم 30/ 3/1985 وحوالي الساعة العاشرة فتح الشرطي شراقة الباب في مهجع السل 35 وتلى أسماء عدد من السجناء من لائحة بيده مطلوبين للمحاكمة، كان من ضمنهم اسمي أنا واسم أخوين آخرين من مهجعنا. وخرجنا أنا والأخ حزين قاسم محاميد من المعرة وهو ابن دفعتي أيضًا، وثالثنا أخ من قرى حلب خريج المدرسة الشرعية من بيت المصطفى فيما أذكر. وفي باحة الذاتية تم تجميعنا قرابة السبعين أو ثمانين شخصًا مغمضي الأعين مكبلي الأيدي وأمرونا أن نجلس القرفصاء وجوهنا للجدار وظهورنا كالعادة باتجاه الشرطة الذين لم يكفوا عن ضربنا وركلنا ولطمنا بالعصي والخيزرانات والكرابيج.
وبعد قرابة الساعتين من الضرب والشتم والتعذيب وصل دوري ونادى المنادي اسمي فرفعت يدي بالإجابة. وعلى باب الغرفة التي تتم فيها المحاكمة أمرني الرقيب أن أفتح عيني واقتادني إلى كرسي أمام القاضي وأجلسني عليه. لكنني بقيت من خوفي وتحسبي مغمض العينين مطرق الرأس حسب التعليمات. فناداني هذا الرجل القابع وراء المكتب باسمي وقال لي أن أرفع رأسي وأنظر إليه.
فعلت ما قال صاحب الصوت .. ونظرت فرأيت رجلًا قصير القامة أصفر الوجه لئيم النظرات .. يتدلى حول شفتيه شاربان رفيعان يخضبهما الشيب فكأنهما شاربا فأر عجوز. يتوسط شخصين آخرين عن يمينه وشماله .. قدرت أنه سليمان الخطيب الذي طالما تحدث الإخوة عنه وقصوا من قصص لؤمه وخَبَله الكثير!