في الفترة الماضية قد انتهى .. وعاد النظام الآن وعاد الإنضباط. ورجع نظام إقفال العيون أمام الشرطة .. والويل كل الويل للمخالفين!
ولم تمض برهة من الوقت ونحن لم نكد ننتهي من أسئلتنا وتساؤلاتنا بعد حتى حضر الشرطة لأخذ التفقد. فصاحوا فينا فور دخولهم أن نغمض أعيننا ونقف بوضع الإستعداد. وما لبثوا أن ساقونا إلى خارج المهجع وانقضوا علينا ضربًا وصفعًا وجلدًا حتى سلخوا جلودنا. وبدأنا من يومها مرحلة جديدة من الشدة والعذاب. وعاد التفقد الصارم والتنفس المقيت والقتل والتعذيب والإهانات. وكان الإعفاء الوحيد للمسلولين من الحمام رحمة تقينا عذاب تلك الساعة، لكنهم سرعان ما عوضوها بمضاعفة العذاب علينا في التنفس!
وتوقف بث الإذاعة عنا من حينها. وصدر الأمر من ذلك الوقت بتكميم أفواه الخارجين للإعدام فلم يعد يسمع لواحدهم قبل أن يطوق عنقه حبل المشنقة صوت ولا تكبير. وعاد البطش أشد علينا من السابق. ثم لم يلبث أن اشتد أكثر وتضاعف بحضور المدير الجديد اللواء غازي الجهني لاستلام منصبه بعد قرابة شهرين. فارتفعت وتيرة البطش إلى أقصى درجاتها. وعاد الشرطة إلى ممارسة التعذيب الوحشي من جديد. حتى أنهم أخرجونا في أحد الأيام للتنفس مغمضي العينين كالعادة تلاحقنا السياط والعصي والكرابيج. فكان قدر أخ من حلب اسمه عبد الباسط دشق أن تصيبه ضربة من هؤلاء الزبانية على عينه مباشرة فتفقأها. فعاد المسكين عندما عدنا تغطي الدماء وجهه، وهو لا يكف عن التقيؤ من شدة ألمه. وعندما دق مسؤول مهجعنا الصحي وقتها الأخ علي عباس من ادلب ليخبر الشرطة بحال الأخ، لم يجرؤ أن يقول لهم أن أحدًا منهم أنفسهم فقأ عينه، بل اعتذر وسألهم العفو وهو يقول لهم بأن أحدًا من مهجعه سقط في الحمام ففقئت عينه!
لكن أحدًا لم يبال، ولم تسفر المحاولات المتكررة عن شيء. وحينما تكرم طبيب السجن وحضر لمعرفة سبب شكواه بعد يومين أو ثلاثة لم يزد عن أن أعطاه بضع حبوب مسكنة ومضى. وظل المسكين يعاني عذابًا لا يوصف شهورًا عديدة من غير أن يهتم به من هؤلاء الزبانية أحد.
تأديب!
وعلى الرغم من هذا البطش أو ربما بسببه قام واحد من المعتقلين اليافعين من ادلب من بيت سيد عيسى نزيل مهجع الأحداث 36 بالتصدي ذات يوم لواحد من الشرطة آذاه كما يبدو في الباحة أثناء التنفس فهجم عليه الشاب وضربه. ورغم أن الحادثة كانت عفوية لا تعدو أن تكون ردة فعل انفعالية وحسب، وعلى الرغم من أن الشرطي رد عليه وقتها وأشبعه ضربًا، إلا أن الأمر أخذ بعدًا كبيرًا. فأدخلوا السجناء إلى المهاجع كلهم، وحضر مساعد السجن الجديد محمد نعمة بنفسه