أراهم بشكل متواصل وأطلع على وضعهم مباشرة. وكان أمرًا مثيرًا للعجب أن حالتهم كانت تختلف عن كل بقية السجناء تمام الإختلاف. فكانوا يطلقون شعورهم .. ويخرجون للتنفس بشكل دائم. ويتحدثون فيما بينهم ومع الشرطة بحرية كاملة .. ويدخنون ويطبخون ويستقبلون الزيارات بشكل متواصل. ولم نرهم يعذبونهم أو يضربونهم أبدًا .. ولم نسمع بتنفيذ أحكام بالإعدام فيهم. ولم يكن عددهم يجاوز الأربعين.
مصيدة الطليعة!
ومضت الأيام ظاهرها الإنفراج وحقيقتها لؤم صرف وجشع وخسة تعصرنا من كل جنب عصرًا. وخلال ذلك لم تتوقف دفعات القادمين الجدد إلى المهاجع مثلما لم تتوقف عمليات الإعدام. وكلما أخذوا من السجناء مجموعة للإعدام أحضروا مجموعة من المعتقلين الجدد بدلًا عنهم. لكن الحدث الجديد الذي زاد الطين بلة والعذاب عذابًا وقتها كان نجاح النظام في استدراج مجوعات من تنظيم الطليعة إلى سورية واعتقالهم جميعًا في خطة محكمة أوقعت عدنان عقلة نفسه بين أيدي المخابرات.
وكان استقبال شباب الطليعة غاية في الوحشية والفظاعة. وفي البداية تم عزلهم في مهجع خاص بهم صبوا عليهم فيه ما لا يوصف من العذاب .. حتى سلخوا جلودهم وهشموا أطرافهم وتركوهم من غير علاج يعانون أشد المعاناة .. إلى أن تعفنت أرجلهم المتقيحة وتفتحت جروحهم المتعفنة وسرت فيهم الغانغرينا فقضت على عدد غير قليل منهم. وبعد مدة وزعوا من بقي من هؤلاء الإخوة على بقية المهاجع، كان منهم أخ من حلب التقيته اسمه أيمن عنجريني تم إعدامه فيما بعد. وآخر لم ألتقه ولكنني سمعت عنه وبلغني أنه أعدم بعدها وهو طاهر العلو من قرى حلب. ومن هؤلاء سمعنا بما جرى .. وبلغتنا أخبار الأحداث بالترتيب .. بدءًا بالشَرَك الذي أوقعهم فيه النظام عبر عميل مدسوس في صفوف التنظيم اسمه محمد جاهد دندش، وانتهاء بوحشية التعذيب الذي لاقوه قبل أن ينقلوا إلى مهاجعنا.
وملخص ما حدث مع تنظيم الطليعة الذي توزع أكثر أعضائه بين الأردن العراق بعد أحداث حماة أن قيادته قررت العودة إلى الداخل لمعاودة بناء قواعدها وبدء مواجهة جديدة مع النظام. فالتقط جاهد دندش هذا الخيط وأوحى للطليعة أنه قد أمن لهم الطريق الآمنة والأدلاء الخبراء لإيصال العناصر إلى حلب. وبدء نزول الشباب عن طريق الحدود التركية السورية مجموعة بعد أخرى يتقدمهم عدنان نفسه. كان جاهد والمخابرات السورية يستقبلونهم أولًا بأول دفعة وراء دفعة ويرسلوا إلى قيادة الطليعة في الخارج الإشارة المتفق عليها فيما بين النازلين والقيادة إشعارًا بسلامة الوصول. حتى اكتمل نزول قرابة السبعين أخًا سقطوا جميعًا بين أيدي النظام لا حول لهم ولا قوة.