ما لا يسرهم كنا ننال من الضرب والجلد والعذاب ما لم يختلف عن ذاك الذي يناله الإخوة الأصحاء في مهاجع أخرى. ولعل ميزة المهجع الوحيدة كانت في نزلائه المسلولين جميعًا .. وفي جرعة الدواء التي خصونا بها وحسب! وحتى جرعة الدواء تلك كانت أداة تعذيب وابتزاز لنا .. فلا يكاد ينقضي شهر على توفرها حتى تنقطع وتغيب أسبوعين أو عشرة أيام. فإذا عادت جعلنا نتخوف انقطاعها ونترقب وصولها فنزداد قلقًا على قلق وعذابًا على عذاب.
وهكذا، ومع اضطراب تعاطي الدواء واستمرار سوء التغذية وقساوة الظروف استمر الإخوة يتساقطون موتى واحدًا بعد الآخر حتى عددت أكثر من عشرين أخًا ماتوا من مهجعنا نحن فقط. ومن هؤلاء أذكر الآن أخًا من حمص اسمه عبد الرحمن فليطاني، وآخر اسمه عبد الساتر مصطفى من نفس المدينة. ومصطفى المصطفى من قرية منخ قرب مدينة حلب. وآخر اسمه الأول مصطفى من حلب أيضًا.
نوبة قلبية
ومن شهداء مهجع السل أيضًا تحضرني قصة الأخ محمد حسن عجعوج من حماة الذي كان من جماعة الشيخ مروان حديد الأوائل. والذي قامت المخابرات السورية باعتقاله من لبنان بعيد اعتقال الشيخ مروان، وأودع سجن المزة مع بقية من اعتقل وقتها. ومع تطور الأحداث وتصاعد موجات الإعتقال في بداية الثمانينات نقل الأخ حسن إلى سجن تدمر بعد المجزرة الكبرى التي حدثت هناك. وتنقل من مهجع 9 إلى مهجع 11 لألتقيه وقد أصابه السل آخر الأمر في مهجع 35.
وهناك وفي يوم من الأيام وصل محمد حسن عجعوج نبأ استشهاد أسرته جميعًا أثناء أحداث حماة قبل أقل من عام. وسمع بأن واحدًا من اخوته سُحِلَ في شوارع المدينة سحلًا. فلم يتمالك رحمه الله وأصيب بنوبة قلبية قضت عليه.
وصار أمرًا اعتياديًا بيننا أن ننادي الشرطي صباح كل بضعة أيام ونخبره بوفاة أحد المرضى، ثم نلتفت إلى برنامجنا ذاته نكاد لا نحس تجاه الأخ الفقيد بالحسرة قدرإحساسنا بالغبطة أن قبضه الله إليه فاستراح من هذا العذاب
هستيريا
ومن مشاهد مهجع السل التي لا تنسى مشهد الأخ بسام الحافظ من حمص الذي فقد القدرة آخر الأمر على تحمل كل هذه العذابات والضغوطات النفسية وما عاد يقدر على تلقي المزيد. فوجدناه