فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 711

في ليلة من الليالي ينهض وسطنا وقد احمرت عيناه فكأنما هما من دم أو نار وراح يطلق عقيرته بالصراخ والعويل. وكان الإخوة كلما حاولوا تهدأته ازداد انفعالًا وتأزمًا.

ودخل الشرطي المناوب يستطلع الأمر، وأمر المسؤول الصحي الأخ زاهي عبادي أن يسكته بالقوة. فلم يجد الأخ إلا أن يعطيه إبرة مسكنة هدأته بالتدريج. وفي الصباح نادى الشرطي المسؤول الصحي ليخرج هذا الأخ إليه. فلما خرج المسكين انهال الشرطة عليه ضربًا وجلدًا وأعادوه يكاد يسلم الروح. لكنه وعندما حل المساء عاد وانتفض وكرر ما حدث ليلة الأمس. فعاد الأخ زاهي وأعطاه إبرة ثانية مهدئة. وعندما أتى الشرطي من جديد رجاه أن هذا السجين مصاب بالهستيريا ولا يملك من أمره شيئًا. ووعده أن يبذل أقصى جهده لتهدأته وعلاجه. بعدها طلب زاهي منا أن نكف عن محادثة الأخ بسام. ونصبوا له في زاوية من زوايا المهجع ما يشبه الخيمة وأجلسوه فيها. وظل المسكين قرابة الشهرين معزولًا عنا لا يكلمنا ولا نكلمه بشيء .. أخذ خلالها يتحسن بالتدريج. ثم جرى نقله بعدها إلى مهجع آخر ولم نعد ندري ما الذي انتهت به الحال إليه.

ألفية ابن مالك!

ومضت مسيرة العذاب .. تنهش المحنة من أجسادنا المنهكة وتقتات واحدًا منا بعد الآخر ولا تشبع. ولم يكن أمامنا من باب نلتجىء إليه غير المولى تبارك وتعالى .. نتقوى به على محنتنا ونتعالى بالإلتجاء إليه على كل الجراح والعذابات.

ولقد كانت النفوس تضعف حينًا، وتتقوى من ثم أحيانًا أخر. لكن نفسياتنا تفوقت على أجسادنا ولله الحمد. وتمكنت من الثبات أغلب الأحيان حتى ولو انهارت الأبدان وتهتكت الأجساد. فكنا كلما خبت الهمم أو انتكأت الجراح نشد من عزم بعضنا البعض بالدعاء والصلاة والتبتل إلى الله سبحانه وتعالى. ندعوه مع كل فتحة باب، ونشكره كلما أغلقوا علينا الباب نفسه وبقينا سالمين! وبعدها وإذا أحسسنا ببعض الأمان عدنا إلى برامجنا التي باتت غذاء أرواحنا ورواء قلوبنا .. درّتها كتاب الله الكريم. حتى إذا أتقن واحدنا حفظه التفت إلى من حوله من إخوانه فتعلم منه ما لديه من علم مفيد. فقه كان أو تجويد أو لغة عربية أو متون. فإذا أنهاها مضى يلتمس تعلم اللغة الإنجليزية أو الفيزياء أو الكيمياء .. وكل ذلك عن طريق المشافهة.

وأما أنا وبعد أن أتقنت حفظ القرآن الكريم كله بفضل الله عكفت على دراسة المتون، وكان شيخي في ذلك أخ من حلب جزاه الله خيرًا كان متقنًا لحفظ المتون. فأخذت عنه البيقونية والجزرية والرحبية .. ومن ألفية ابن مالك حفظت حوالي 650 بيتًا ولله الحمد. وظهرت في هذا السياق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت