الأسد طبيبًا من دمشق نقل من مهجع 5 - 6 بعد أن تعلم من الدكتور محمود العابد هناك فحص المسلولين وتشخيص إصابتهم. ونقل لنا وقتها نبأ اكتشاف إصابات سلية بين السجناء. وأخبرنا عن تخصيص مهجع 23 للمسلولين، وأن أخًا آخر هو زاهي عبادي من دير الزور والذي كان في سنته الرابعة بكلية الطب تطوع للذهاب إلى نفس المهجع والإشراف على إخوانه المسلولين، ثم لم يلبث رحمه الله أن أصيب نفسه بالمرض عن طريق العدوى.
وفي يوم من الأيام كنا في التنفس أنا والأخ صبحي بركات أحد أفراد مجموعتي ففوجئت به يستند إلى ذراعي بادي الإجهاد، وقال لي وهو لا يقوى على إخراج الكلمات أنه يحس بالغثيان وبالدوار ولا يقوى على الحركة. فطلبنا له من الرقيب إذنًا بدخول المهجع. وهناك لم يلبث الأخ صبحي أن تقيأ وسقط محلول القوى. وعندما عدنا من التنفس فحصه الأخ سليم فتبين له أنه السل. وعندما حضر الشرطة وأخبرناهم أسرعوا ونقلوه إلى المهجع 35 في الباحة السابعة والذي خصص بدوره في تلك الفترة للمسلولين بعدما ضاق بهم مهجع 23.
ومر شهر آخر وإذ بي أجدني أعاني من الأعراض نفسها: ارتفاع في الحرارة، وقلة شهية للطعام .. وسعال وتعرق وإجهاد متزايد. وبعد أسبوع من المعاناة فحصني الأخ الطبيب سليم أسد فوجدني أصبت بالسل أيضًا. وعندما أخبر إدارة السجن بذلك نقلوني بدوري إلى مهجع السل، وكان ذلك في الشهر السادس من عام 1983 وبعد أيام قليلة من محاضرة فيصل الغانم العامة أمام السجناء.
جرعة العذاب!
دخلت المهجع 35 في الباحة السابعة فوجدت ويا لهول ما وجدت! أكثر من مائة من الإخوة ألقى المرض بكلكله عليهم فسلبهم نضارة الحياة وسمت العافية. فهذا لا يكف عن السعال وفي يده علبة صفيح صدئة يبصق فيها البلغم والدم. وذاك يتقيأ بين فينة وأخرى ولا يستطيع أن يمسك نفسه. وثالث أصاب السل كليتيه فانتفخ جوفه وكأنه امرأة حامل! ووجدت المصاب بسل الخصيتين، وسل العظام، وسل السحايا، وسل الرئتين .. وكان على كل أولئك وعلي أن نستخدم الحمام نفسه وأن ننام متجاورين نتبادل العدوى ونتلقاها شئنا أو أبينا.
ولقد كنت أظن أو أؤمل أن تكون ظروف مهجع المسلولين أفضل من غيرها، لكنني وجدت الأمور كأنها لم تتغير. فالبطانيتان اليتيمتان والعازل على حالهم .. والشراقة والنوافذ المفتوحة كتلك التي في بقية المهاجع. والحرس على الباب وفوق المهجع يروحون ويغدون. وهناك برنامج غير منقوص من التفقد إلى التنفس إلى سوء الطعام ورداءة الظروف. وعندما نكون في الساحة أو يرى الشرطة منا