لم تكن حياتنا في السجن ملائكية أو مثالية. فبينما كنا أيام الشدة نزداد قربًا إلى الله وتجردًا وتلاحمًا كنا إذا طال علينا العهد نرتد إلى أصولنا وخلفياتنا ومشاربنا الشتى. وبعد أن مضت هذي السنون علينا يضمنا مهجع موحش باطنه عذاب وظاهره أشد وأنكى. ومع اختلاط الإنتماءات وتعدد المشارب بدأت تظهر بيننا في فترة الإنفراج النسبي تلك اختلافاتنا المذهبية والتنظيمية والإقليمية معًا!
ولقد ظهر ذلك أول ما ظهر حينما استطعنا أن ننظم بعض الدروس الهادئة إذا سنحت الظروف وأمنا الحرس من فوقنا ومن حولنا. فوجدنا الإخوة لم يلبثوا أن أخذوا يتكتلون فرقًا وجماعات تتجادل في البداية حول قضايا المذهبية واللامذهبية .. والإتباع والإبتداع .. وما يندرج تحت هذا الباب من جدل أنهك الأمة قرونًا ولم ينته لصالح أحد! حتى أن الإخوة صاروا يختلفون على الأذان الذي يبلغنا من وراء أسوار السجن قادمًا من منارة مسجد مدينة تدمر. وكان وجه الخلاف حول مشروعية الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام جهرًا في خاتمة الأذان!
وسرعان ما أخذ الخلاف الذي استشرى مأخذ الحزبية التنظيمية. وطفت على السطح اختلافات تنظيم الإخوان التاريخية بين دمشق وحلب. أو بين جماعة الأستاذ عصام العطار وجماعة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. واستطاع الإخوة الحلبيون وفق ما رأيت أن يجرّوا الدمشقيين من دائرة الإختلاف التنظيمي إلى دوامة الخلاف المذهبي. وأشاعوا بيننا أن الدمشقيين سلفيون لا مذهبيين. وانعكست هذه الصراعات المقيتة على السجناء كلهم فآذتهم وأرقتهم. وآذت أكثر ما آذت الحياديين وغير المنظمين أصلًا. ورأى هؤلاء في هذا الخلاف أسوأ صورة للجماعات والتنظيمات الإسلامية كلها. ورأيتنا نعود بجدليات الطرفين المتعصبين إلى القرون الوسطى ونتفرق في قضايا لا يبنى عليها عمل أساسًا.
وتطور الأمر بسرعة .. أو فقل ارتد الناس إلى خلفياتهم وتشوهاتهم التي أتوا منها! فبعد أن انتقل الخلاف من الفكر والمذهبية إلى الحزبية التنظيمية انتهى الأمر بسقوط الأطراف جميعًا في وحل الإقليمية الضيقة! فتكتل السلفيون الموالون للأستاذ عصام في تكتل دمشقي. وأخذ المذهبيون الحلبيون الموالون للشيخ عبد الفتاح طرفهم الإقليمي. واستغل الحمويون التابعون للأستاذ عدنان سعد الدين القضية ليجمعوا الحمويين في كتلة ثالثة! وانعكس ذلك على المهجع أسوأ انعكاس. وتفرقت القلوب شتى. وانعزلت كل كتلة في دائرة مغلقة تجاور الدائرة الأخرى والثالثة ولا تتداخل معها .. رغم أن المحنة لم تكن تفرق بين أي من هذه الكتل وأصحابها.