فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 711

فيحمل أبو عوض الأشياء التي صودرت ويدور بها على المهاجع ويبيعها للمساجين أيضًا. وهكذا تصب كل الأموال التي أحضرها الزوار المساكين في جيب مدير السجن وشركاه. ولم تكن بيدنا حيلة لوقف هذا الإستغلال المكشوف. وكنا نشتري أغراضنا المسروقة من غير تردد. ففي حالنا البئيس ذاك كنا بحاجة لأي لقمة طعام نتقوى بها أو قطعة ملابس تقينا الحاجة والبرد وتخفف عنا ولو بعض تلك المعاناة.

وهكذا اغتنمنا جشع أبي عوض وحالة الرخاء الظاهر تلك، فأقبلنا ابتداء على توثيق علاقاتنا داخل المهجع أكثر وقد أمنا مداهمات الشرطة من فوق الشراقة إلى حد ما. وصرنا نتعرف على أحوال بعضنا البعض، ونتبادل الحكايا والخبرات والمعلومات. ونضاعف همتنا لحفظ سور القرآن الكريم وآياته. وفي هذا السياق صرنا نُخَرِّج حفظة كتاب الله مجموعة إثر مجموعة، ونعد لذلك حفلًا كبيرًا نوفر له من الطعام أو الحلوى التي تصلنا من الزيارات أو من مخصصاتنا اليومية طوال أسبوع أو اثنين. فينال أبو عوض حصة الأسد منه ليسكت عنا ويأذن لنا، ونوزع البقية علينا احتفالًا بالإخوة الحفظة وتكريمًا لهم.

سماح!

كذلك استفدنا من ظرفنا الإستثنائي ذاك فصرنا نشتري من بضائع أبي عوض المسروقة أشياء ما ونرسلها مع رسالة مختصرة إلى إخوة أعزاء في مهاجع أخرى. وكنا نتلقى بنفس الأسلوب ردودهم وهداياهم. وعن هذا الطريق صار الإخوة يتأكدون من وجود فلان أو إعدامه. وعن نفس الطريق وصلني إلى مهجع السل أواخر عام 1983 إبريق شاي من أبي الفضل الذي انتقل إلى مهجع آخر بعد مدة يلمح لي به أنه حكم بالإعدام. وكان قد كتب لي على الإبريق يقول: إلى محمد سليم .. محمد جمال سماح. فعلمت أنه يطلب المسامحة لأنه راحل عما قريب. وبالفعل فلم تمض بضعة أسابيع حتى بلغنا أنه أعدم رحمه الله.

وفي المقابل كان أبو عوض ينتفخ وينتشي بالوهم وبعض سقط المتاع. ولقد سمعنا أنه طلب من المساعد أن يسمح لأهله بزيارته مرة فسمح لهم. وتردد أنه هرّب مع أخيه الذي زاره نقودًا من تلك التي جمعها من تجارة الحرام التي امتهنها، لكن علم ذلك عند الله. وأما ما علمناه نحن ورأيناه فكان آية من آيات الله بالفعل. فلم تمض على هذه المظالم مدة من زمن حتى رأينا الدائرة تدور على أبي عوض، وينتقم الله من أفعاله الشنيعة شر انتقام. وسيأتي الحديث عن ذلك لاحقًا بإذن الله.

الحزبية الإقليمية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت