فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 711

وأما المحاكمات والإعدامات فلم تتأثر بكل هذا الذي يجري، وظل شبح الموت مخيمًا علينا يتخطف الزهرات من بيننا ويطبق على أعناق الشباب الغر ونحن لا نملك في رد ذلك حولًا ولا قوة.

آخر الأنفاس!

وفي ليلة من تلك الليالي كنت أنام بجانب الأخ مأمون الذهبي. وكان المسكين قد أصيب بالمرض فتدهورت صحته بشكل متسارع ومريع. حتى بات وهو الذي كان لاعب كراتيه مفتول العضلات قوي البنية لا يقدر على مغادرة فراشه. ليلتها وفي ساعة متأخرة نام كل من في المهجع ونمت معهم، مد مأمون يده الواهنة نحوي وجعل يهزني حتى استيقظت. فلما سألته ما به قال لي رحمه الله:

صدري يؤلمني .. اقرأ لي عليه.

فوضعت راحتي على صدره وجعلت أقرأ من الآيات والأدعية المأثورة. حتى إذا سكن وخلته نام عدت إلى النوم من جديد. فلما دنا الصباح صاح فينا أبو عوض كعادته:

الكل استيقاظ.

فقمنا كلنا وبقي مأمون في مكانه تغطي وجهه البطانية ولا يتحرك. فناداني أبو عوض لأوقظه، فناديته فلم يرد. قال أبو عوض على مشهد من الجميع:

اخبطه برجلك ليفيق.

فكشفت عن وجهه وناديته لينهض. فلما حدقت وجدته قد فارق الحياة. قلت وأنا أكاد أحس آخر أنفاسه لا تزال تتسارع على راحتى:

هذا مات يا زلمه!

فلم يهتز لأبي عوض شعرة، ولم يزد عن أن مضى ليخبر الشرطة بحالة وفاة جديدة في مهجعه. وهرعت أنا فسحبت مأمون بمساعدة الإخوة فأدخلناه الحمام وغسلناه. ولم يلبث"البلدية"أن حضروا فأخذوه ومضوا.

مملكة الوهم!

ونمت مملكة أبي عوض الواهية .. فخصصت له إدارة السجن مكانًا يديره كمتجر أو دكان بقالة كان يبيع فيه السجناء الشاي والخضار والفاكهة والإحتياجات الرئيسية التي كانوا محرومين من معظمها ويقبض على ذلك أفحش الأثمان! وفي نفس الوقت كان فيصل الغانم يترصد الزوار فيخضعهم كالعادة للتفتيش. فإذا أرادوا أن يعطوا أبناءهم مبلغًا من المال كان له نصيب مباشر فيه. وإذا أحضروا لهم ملابس أو حاجيات أجاز دخول بعضها وصادر بعضها الآخر بحجة أو بأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت