لتقوموا بأعمال ليست في صالح البلد، غير أن الإبن إذا أخطأ في حق أسرته فإنها تعاقبه ولكنها لا تتخلى عنه .. ولذلك فأنتم الآن تقضون فترة عقاب، لكنكم ستخرجون بعدها وتحل الأمور.
وانتهت المحاضرة كما بدأت حافلة بالغموض والغرابة. وأخذت التساؤلات والتحليلات والتكهنات تتوالى. لكن شعورًا واحدًا غمرنا جميعًا يوحي بأن ثمة تطورات جديدة في الأفق. ولم تلبث الأمور أن أخذت تتسارع لتتكشف على حقيقتها بعد حين.
كذلك طرأ على حال السجن تغيير جدير بالتسجيل وقتها. فلأول مرة وبعد هذا الصمت المطبق طوال الأعوام السابقة فوجئنا بالميكروفونات تنقل لنا بث إذاعة دمشق على الهواء مباشرة 12 ساعة في اليوم. فكانت لنا نافذة نتابع من خلالها أخبار العالم خارج الأسوار، ومنفسًا نخرج منه عن اعتيادية حياتنا القهرية بعض الشيء. وبالطبع فلم يكن مسموحًا لنا من قبل ولا من بعد أن ندخل جهاز راديو إلى مهاجعنا ولا أن نستخدم الورق والأقلام أو الكتب .. وأما المصاحف فكانت كما ذكرت واستمرت إحدى أكبر الممنوعات!
ذيل الثعبان!
غير أن هذه التطورات كلها كانت تخفي وراء وجهها المليح مؤامرة خسيسة .. كان المقدم فيصل الغانم رأسها المدبر وعرابها الخبيث. وكان أبو عوض من جانبنا أداتها القذرة وذيل الثعبان الذي يتحرك لمصلحة الرأس الخبيث بكل خسة ولؤم. ولم تمض مدة من الزمن حتى تبين لنا كيف أن الغانم هذا قد نظم خارج أسوار السجن شبكة من مصاصي الدماء ترأستها أمه نفسها التي كانت تتولى تنظيم زيارات لنخبة من أهالي المعتقلين الموسرين للإجتماع بأبنائهم في سجن تدمر مقابل مبالغ طائلة من المال. لكن ذلك لم يكن يشبع جشع الرجل، وكان ينظر إلى الأموال التي يأتي الأهالي بها لأبنائهم المعتقلين عساها تدفع عنهم بعض الشر أو المعاناة .. فيراها غنائم مغرية يسيل لها لعابه. ولذلك وحتى يضمن الغنيمة كلها أنشأ شبكة ثانية من العملاء والأجراء داخل السجن مهمتها امتصاص تلك الأموال بطريقة أخرى. كان أبو عوض مخلبها القذر بيننا .. فعرف عن طريقه احتياجاتنا ورغباتنا وحالتنا .. وفي سبيل ذلك كانت خطبته العصماء تلك، وكانت سلسلة القرارات الإستثنائية التي أحاطت بها.
وهكذا اتجهت الحال بعمومها نحو تغير نسبي. فبات التعذيب نوعيًا بدل أن يصيبنا في كل غدوة وروحة. وصار الشرطة يسمحون لنا بالخروج إلى التنفس مفتوحي الأعين نتنعم بالشمس من غير ضرب كثير ولا تعذيب. ثم لا يلبثوا وأن يقوموا بين كل أسبوع وآخر بتعويض السجن كله بحفل شديد مفاجىء من التعذيب، بحيث يبقى الكل منضبطين يحسبون للحفل القادم ألف حساب.