وأخذت الأمور تتطور بالتدريج من حولنا، فلم نلبث أن تبلغنا في شهر آذار 1983 بتغيّر النظام العام للسجن، وأنه بات مسموحًا لنا الآن أن نفتح أعيننا ونرفع رؤوسنا أمام الشرطة العسكرية بشكل طبيعي. وبدأنا نلحظ تغيرًا نسبيًا في تعامل الشرطة وإدارة السجن مع مهجعنا في ظل ولاية أبي عوض عليه. فخفت الضغوط بعض الشيء عنا، وأوكلت مهام الأمر والنهي داخل المهجع إلى أبي عوض أغلب الأحيان. ولم يعد الشرطة يكثرون من الدخول علينا أو التنكيل بنا. فيما تتالت لقاءات أبي عوض مع محمد الخازم الذي كان يستدعيه إلى الذاتية بين حين وآخر، فإذا عاد وسئل عما جرى لم يجب إلا بالقشور.
وأخذنا نسمع عن زيارات تتم لبعض السجناء يحضر أهلهم لمشاهدتهم فيحضرون لهم كميات من الهدايا والأموال غير قليلة. وكان ذلك لا يتم إلا للموسرين بالطبع. وبعد واسطات ورشاو فاحشة عرفنا بها من بعد. وفوجئنا من ثم بهؤلاء السجناء يتواردون على مهجعنا واحدًا بعد الآخر ومجموعة إثر مجموعة. حتى بتنا نسمي مهجعنا ذاك مهجع المدعومين!
ومع هذه التطورات عاد الطبيب يجول على المهاجع ويقدم بعض العلاجات الأساسية للسجناء، وتم تعيين مسؤول صحي من السجناء في كل مهجع، تكون مسؤوليته تقديم تقرير بالحالة الصحية للسجناء إلى الطبيب حتى لا يضطر الطبيب نفسه إلى فحص المرضى والتعرض لاحتمالات الإصابة بالعدوى منهم!
أخوة بالإكراه!
وفي يوم من أيام شهر حزيران عام 1983 فوجئنا بالشرطة يخرجوننا إلى الباحة ويخرجون معنا سجناء المهاجع الأخرى في باحتنا .. وإذ بمدير السجن المقدم فيصل الغانم الذي كان أحد المشرفين على مجزرة تدمر الكبرى عام 1980 يقف فينا خطيبًا لأول مرة ويكلمنا بلهجة ما اعتدنا أن نسمعها قط كل هذه الأيام التي خلت.
ولأكثر من أربعين دقيقة جعل يحدثنا أننا فعلنا كذا وكذا، وأخطأنا بحق الوطن، ولكننا برغم ذلك نظل إخوة! ووسط إيعاز الشرطة لنا بين كل جملة من كلامه والجملة الأخرى بالتصفيق تساءل الغانم عن الفرق بين العلوي والسني .. وأضاف فقال بملء فيه: أنا خَيّكُم (أي أخوكم) غصبًا عنكم.
وبين الإستغراب المطلق والتحفظ المطبق من جانبنا أكمل الغانم محاضرته بالحديث عن اسرائيل التي قامت بمجزرة صبرا وشاتيلا. وقتلت من الأبرياء كذا وكذا. وأن سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي تقف بوجه إسرائيل وأمريكا! واتجه بالحديث نحونا مرة أخرى فقال: أما أنتم فقد غرر بكم