أعد قادرًا علي المشي أو حتي الوقوف، فاستأذنت المحقق أن أجلس علي الأرض، وجلس هو علي الكرسي فسألني نفس الأسئلة التي وجهت لي قبل ستة أشهر: اسمي وعملي وعلاقتي بـ (ج) ، ولما لم يجد عندي جديدًا قال بهدوء: يالله روح، فتوسلت إليه أن ينقلني علي المهاجع الجماعية لأنني لم أعد أحتمل السجن الانفرادي، فأخذ رقم زنزانتي وأمر بإعادتي إلي المنفردة، وبعد تسعة أيام صدرت الأوامر بنقلي إلي المهجع رقم (4) فخرجت مع السجانين إلي المهجع المذكور، ولما فتح الباب خرجت رائحة كريهة ونظرت داخل الزنزانة فإذا هي مملوءة عن آخرها، وتضايق المساجين الستة والأربعون من رؤيتي لأنني كنت سأشاركهم هذا المكان الضيق (4 ـ 5م) . ولم أتمالك نفسي من الصراخ: رجعوني علي المنفردة ... رجعوني علي المنفردة، فدفعني السجانون إلي الداخل وأغلقوا الباب. كان المنظر في الداخل كئيبًا للغاية، فلم يكن المكان يتسع لجلوس الجميع فاضطر بعضهم للوقوف، ولكنني فرحت كثيرًا عندما علمت بوجود حمام داخل الزنزانة، فاغتسلت ثم حشرت نفسي داخل هذه المجموعة، وكان أول سؤال يوجه إلي هو سبب سجني، فأجبتهم بأنني لم توجه إلي تهمة، وسأخرج خلال أسبوعين علي أبعد تقدير، ولم أكن أعلم بأنني سأقضي الأشهر الخمسة القادمة في هذا المهجع الكئيب.
تغير حالي كثيرًا في المهجع فصرت آكل وأشرب وآنس إلي المساجين وأقضي الساعات الطويلة في التحدث والاستماع إلي المآسي التي يروونها
· من قصص المهجع
ـ طلبت من السيد هلال أن يحدثني عن التهم الموجهة إلي المساجين في فرع فلسطين، فأطرق لبرهة وأخذ يذكر قصصهم بالتفصيل، وقال لي: ـ أتذكر سليمان الذي قضي أحد عشر شهرًا في المهجع، ولم يكن وحده فقد كانت معه والدته (عمرها سبعون عامًا) في مهجع النساء. كانت تهمتهم أن أحد أقاربهم في الخارج اتصل بهم هاتفيًا وسألهم عن حالهم بعد موت حافظ الأسد، أجابوا بديهة: مكيفين، وكانت هذه الكلمة كفيلة بجرهم إلي السجن.
ـ أبو أيمن من اللاذقية، رجل كبير في السن عمره 67 عاما، كانت تهمته أنه قابل أحد المنتسبين إلي جماعة الإخوان المسلمين أثناء رحلته إلي الحج في أوائل الثمانينيات وأعطاه ذلك الرجل مبلغ 500 ريال لإحدى الأسر المحتاجة في سورية، وبعد مرور سنوات طويلة قرر ذلك الشخص أن يعود إلي سورية فذهب إلي السفارة في الدولة التي يقيم فيها وسجل جميع اعترافاته وذكر اسم أبو أيمن في اللاذقية، وأنه طلب منه توصيل المبلغ المذكور. وعندما أبرقت السفارة إلي دمشق كان المسكين