فهرس الكتاب

الصفحة 693 من 711

· من قصص الزنازين المنفردة

طلبت من هلال أن يحدثني عن بعض السجناء الانفراديين الذين جاورهم لمدة ستة أشهر، فكان يتذكر بحزن شديد معاناة السجين في الزنزانة رقم (19) ، ومن سوء المعاملة التي لقيها من السجان (محمد) الذي كان يستمتع بضربه كلما جاء دوره للخروج إلي الخلاء، فقد كان يأمره أن يضع يديه خلف ظهره ويغمض عينيه ويرفع رأسه ... ثم تتردد أصداء صفعة قوية تنخلع لها قلوبنا، ولكن السجان الآخر في نوبته (رفيق) كان يضحك ويقول له: محمد ... ما سمعت!، فيتميز محمد غضبًا ويشتم السجين قائلًا: يلعن أبوك يا ابن الكلب، ولك شلون هيك بتخجلني قدام صحابي؟، ويصفعه صفعة أخري لا تعجب صاحبه (رفيق) فيأتي هو ويقوم بنفس الطقوس السابقة، فيأمر السجين بوضع يديه خلف ظهره، وإغماض عينيه ورفع رأسه فيمتثل وهو يئن من شدة الألم، ثم يصفعه صفعة أشد من سابقتيها، ويضحك رفيق ضحكة المنتصر ويقول: هيك بدي ياك ... روح شخ. وكانت هذه العملية تتكرر مع عدد من المساجين كلما جاء دورهم لدخول الخلاء.

ـ أما السجين في المنفردة (13) فكان مصابًا بمرض السكري ولم يكن يستطيع النوم دون أن يأخذ إبرة في المساء، وكان المسكين يتوسل إليهم يوميًا لعدة ساعات أن يأتوه بالإبرة ولكن السجانين كانوا يتعمدون التأخر عن ذلك، ثم يأتي أحدهم آخر المطاف مصرًا علي أن يعطيه الإبرة بنفسه فنسمع صرخات شديدة من جراء الطعنة التي يلقاها من السجان وهو يقول له: خود ... يلعن أبوك عرص، وقد استمرت هذه المأساة بصفة يومية طول إقامتي في السجن الانفرادي.

ـ المنفردة (16) كانت هذه الزنزانة تتميز عن غيرها برائحة نتنة تزكم الأنوف، ولم يكن يسمح لنزيلها أن ينظف زنزانته أو حتي أن يغتسل أو يغسل ملابسه، وكان كلما خرج للخلاء يعيره السجانون برائحته الكريهة ويبصقون علي وجهه وهو صامت لا يتكلم.

ـ المنفردة (17) نزيلها المدعو (ج) نفسه، كان الجلادون يخرجونه للتحقيق يوميًا ويتعرض لمختلف أنواع التعذيب الذي لم ينقطع عنه يومًا واحدًا طوال الأشهر الستة التي قضيتها في الانفرادية.

في (يناير) عام 2001، ساقني الجلادون إلي غرفة التحقيق مرة أخري، ولما دخل المحقق سألته: ألم ينته التحقيق بعد؟، فأجابني ببرود بأنني لست متهمًا ولذلك فقد ابتدأوا بالأشخاص المهمين، وقد احتاجوا لوقت طويل حتي يأخذوا جميع أقوالهم، ولكنه طمأنني بأنني سأخرج عن قريب. كانت هذه هي المرة الأولي التي أخرج فيها من قبو فرع فلسطين، وكان شكلي مرعبًا للغاية، فقد طال شاربي حتي غطي فمي بأكمله، ونقص وزني وتغيرت ملامح وجهي، وماتت كثير من خلايا جسمي فلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت