أما أنا فقد دفعت ثمن نزعتي الإنسانية غاليًا، عندما سمعت استغاثة مخنوقة من امرأة مصابة بالربو في مهجع النساء فطرقت باب زنزانتي حتي سمعت وقع أقدام السجان حسن وهو يصرخ: شو بدك ولا كلب، فأعطيته بخاخ الربو الذي أحضرته معي من حماة وقلت له أعطه للمرأة المسكينة، ولم أكد أنتهي من قولي هذا حتي لكمني علي رأسي ثلاث لكمات أسقطتني علي الأرض وتتابعت بعدها الركلات والشتائم المقذعة، ولم أعد أعي شيئًا حولي إلا أنني سمعت المعلم حسن يقفل باب الزنزانة وهو يقول: ولك عامل حالك شريف يا عرص، نحنا ما عنا إنسانية هون!
أما صيغة الإعلان عن وصول الطعام فلم تكن تتغير أبدًا ... كان السجان رفيق يصرخ في أول الممر: يا كلاب ... الأكل اليوم (ويمد الواو) شوربة ورز ... كل واحد يدير وجهه علي الحيط ... واللي بشوفه مو داير وجهه لح (فعل قوم لوط) . كان الطعام غاية في القذارة وسوء الطبخ، وكنا نأكل مرق الدجاج دون أن نري الدجاج لأن السجانين ومساعدي مدير السجن كانوا يأخذونه قبل أن يصل إلينا، وكثيرًا ما كنت أرفع الصراصير والحشرات الأخري عن الشوربة والمرق وأشربها، أما إذا كانت الوجبة بطاطس مسلوقة، أو إذا قدم لنا التفاح (في المناسبات) فكانوا يرمونه علي رؤوسنا الموجهة نحو الجدار، وكنا نحظي ببيضتين طوال الأسبوع. وكان السجانون يخبئون الفواكه والخبز الطري فوق سقف المنفردة (1) لإخفائها عن المدير ويأخذونها معهم بعد انتهاء الدوام.
كنا نعاني من البرد الشديد في الشتاء ومن الحرارة الخانقة في فصل الصيف ولم تتغير البطانيات القذرة التي ورثناها عن السجناء قبلنا طوال فترة الإقامة في السجن الانفرادي. وبالإضافة إلي انتشار القمل والصراصير، فقد كنا نعاني كثيرًا من الجرذان التي كانت تقتحم عزلتنا هربًا من القطط الجائعة التي كانوا يرسلونها للقضاء علي هذه الجرذان، وكثيرًا ما كانت القطط تظفر بصيدها في فتحات التهوية ونعلم بوفاة الجرذ حين يتقاطر دمه علي رؤوسنا ونحن نيام.
ـ ابتسم هلال عندما سألته كيف كان يقضي وقته في السجن الانفرادي لمدة 180 يومًا متواصلة، وقال لي بأن: الشهر في الزنزانة مثل الشهرين والثلاثة والأربعة ... تمر الساعات الطويلة ويتعاقب الليل والنهار ونحن علي حالنا. كنت أقاوم وأبحث في خلجات نفسي عن بصيص أمل وأعد الأيام عن طريق الحفر علي حائط الزنزانة، ولا أنسي عندما دخلت علي فراشة فأنست لها كثيرًا وأخذت أكلمها وهي لا تجيب، وقد أصبت عدة مرات بهياج عصبي وكنت أصرخ بأعلي صوتي: لماذا تفعلون بي هكذا؟ ما هي تهمتي بالتحديد؟ أنا ضيف عندكم في هذه البلد أهذه هي الطريقة التي تعاملون بها الضيوف؟
وكنا نختلس الساعات التي ينام فيها السجانون في آخر الليل فنتكلم فيما بيننا همسًا، وبهذه الطريقة استطعت التعرف علي عدد من المساجين في الانفرادية، وكنت آنس للحديث إليهم كثيرًا.