فهرس الكتاب

الصفحة 679 من 711

كان ينام فوق مسمار منبهق من الجدار، على قدم واحدة .. وعندما يباشر النهار في قرع بابه، يفتح عينيه ينظر إلينا من فوق، بزاوية حادة، يهز جسمه بدلع وغنج، ينفش ريشه، يودع اثار النوم، بعدها يرحل إلى المياه النائمة فوق اطراف البادية ويبقى إلى الهزيع الأخيرمن النهار.

عند حلول المساء يعود، يزقزق بايقاع سريع، يميل برأسه قليلا، ينظر إلينا ثم يلتفت نحو اليمين ثم اليسار، عندما يتأكد من أننا لا نؤذيه، وأننا سجناء لا حول لنا ولا قوة، يرفع رأسه إلى الأعلى ويغمض عينيه بسعادة بالغة وينام.

خمسة اعوام في هذا الكهف لم ارفع رأسي، نكسته تحت سطوة القوة واذلال السلطة، أرى احذية الجلاد الثقيلة، لامعة وقاسية، طويلة وزواياها حادة ومذببة .. مرات كثيرة يقولون لي: افتح يديك، ابسطهم يا منيك .. إلى الأمام ورأسك منكسا، لا ترفعه أبدًا .. كيبلاتهم المطاطية المغلفة بالاسلاك المعدنية تلسع يدي وتمزق انسجتها، اصرخ وابكي من الوجع .. يكثر ضحكهم ونكاتهم البذيئة .. ثبت يديك يا ابن الزانية .. تنهال علي بمزيد من القوة والفرح، على هذا الجزء مني، كثيرة هي المرات التي لا استطيع رفعهم، تهتز يدي دون ارادة مني وتنزل إلى الاسفل. اقول للشرطة بصوت خافت ومستسلم بينما الكبل يلسع يدي: لم أعد اقوى على حملهم، يعودون للضحك .. زبط .. زبط يا قحب .. زبط يديك بلا دلال .. أنتم مدللون ..

نعم كنا مدللون في تدمر .. هذه حقيقة لا لبس فيها.

في عام 1996 كانت معاملتنا مثل معاملة بقية القوى السياسية في سجن تدمر، الضرب اليومي والشتائم والتعليم (عندما يقول الشرطي لأحدنا أنت معّلم، عند مجيئهم في اليوم التالي يقولون ليخرج المعّلم، عند خروجه ينهالون عليه بالضرب سواء بالدولاب أو غيره) الإهانات والشتائم والبصق وبوس الأحذية، منعنا من النوم، والطعام قليل، بقي هذا الامر إلى منتصف العام 1997.

في 24 نيسان عام 1997. تغير كل شيء.

دخلت الشرطة إلى المهجع، قالوا ليخرج الجميع إلى الباحة، ابق معنا يا رئيس المهجع (رئيس المهجع في سجن تدمر هو اكثر من يتعرض للضرب) اسمع صوت الدولاب وهو يلسع اقدام رفاقي، جاثمين كالأسرى على ركبهم وايديكم فوق رؤوسكم بشكل منكس.

سألني الشرطي: هل تدخن؟ قلت: لا .. لا أدخن. صفعني على وجهي. كان الشرطي طويلا، هكذا قدرت ذلك من خلال حذائه. كلما كان يصفعني كلما ركزت نظري على طول حذائه: ما اضخم هذا القدم وهذا البوط. يعود ثانية ويقول: هل لديكم تواصل مع أحد. أرد: لا .. لا يا سيدي ليس لنا تواصل مع أحد، ليس لدينا زيارات أبدًا. مشى داخل المهجع وكان يتولى الذين معه في صفعي كلما مشيت بمحاذاتهم مع الركل والرفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت