كان عمار في الثالثة والعشرين من العمر عندما خرج من السجن، لكن ملامحه بقيت طفولية .. وروحه أيضًا.
ناموس الخوف في تدمر كان جزءًا من طقوس الحياة اليومية، نشربها مع اندلاق الشمس إيذانًا بمجيء نهار مكرر .. زمن مكرر بإيقاع كريه ومقرف.
انظر إلى الجدران المصبوغة بلون دموع ودماء الذين تعرشوا بين دفاتها، أحسها تنطق، أرى مصطفى ونزار موسى وبسام حمزة ومحمد نحلوس وحمامة، صورهم مرسومة على التوريقة القديمة من الحيطان العتيقة .. بكاءهم، صراخهم.
نظام العجزة .. نظام ( .. ) حافظ الأسد .. لم يسمع استغاثاتهم، تركهم في السجن دون محاكمة ..
خاف من براءة الاطفال وبريق الضحك في عينيهم .. خاف من ظلال الوقت وتغيرات الزمن، أو كان مشغولًا في حروبه التحريرية الكاذبة.
السجن يقزم الروح ويعطب الجسد والعقل ..
قزمنا وأبقانا عند زمن الاعتقال، بقي عقلنا يستجر الماضي ويدور في فلكه.
عندما كانوا يضربوني، على الوجه والظهر، اليدين والقدمين .. كنت اخاف من شيء آخر .. من الشلل التام ومن فقدان السمع والنظر .. في تدمر .. هذا الشيء جزء من طقوس المكان.
في عدرا .. السنوات الثلاث الأولى، الفطور .. يوميًا لبنة مع زيت وفي المساء بطاطا مسلوقة، والغداء مرق دون دسم.
كنت أضحك من مزيد سلوم عندما يناديني للعشاء، يقول بلغة مفخمة: تعال تعشى. أرد عليه مبتسما: قل تعال كلّ بطاطا مسلوقة فهذا أجدى.
في تدمر ..
عند فتح الباب الرئيسي، مع انزلاق المزلاج على الحديد الصدئ، تتحفز غرائز القلق، من خوف ورعب، تتوثب الذاكرة باستباط اشياء، متنوعة وكثيرة، تنطلق على جناح السرعة وتضع التوقعات القادمة، تتساءل، ماذا ينتظرنا هذا اليوم .. الآخر، ماذا يخبئ لنا القدرفي جعبته من امزجة عكرة ومواويل غامضة.
أنظر إلى العصفور القابع فوق رأسي، لا مباليا، مسترخيا، نافشا ريشه ويغط في نوم عميق، احسده على هذا الخلود لملكوت الحرية والفرح: لو استطيع أن أكون مثله، اطير من النافذة المفتوحة إلى مكان أقل قسوة واكثر أمنًا.