حزينًا لعدم رؤيتي لأمي وأخوتي وشقيقاتي. في اللحظة الأخيرة، أنزلوا الحبل من حول رقبتي أعادوا قراءة اسمي، قالوا هناك خطأ في اسم الأم. ثم أعادوني إلى المهجع بين أخوتي من جديد.
كنت قد حفظت القرآن عن ظهر غيب، اتلوه يوميًا وعلى مدار الساعة لأبعد عن نفسي مرارة الألم والخوف، الحرمان والفراق.
بعد سنة من الحادثة جاؤوا مرة اخرى وقرأوا اسمي، قلت حان وقت إعدامي، جهزت نفسي مرة اخرى وودعت الجميع. التف الحبل حول عنقي وأنا في كامل استعدادي لملاقاة ربي. انزلوا الحبل في اللحظات الأخيرة.
ثلاث مرات، يضعون الحبل حول رقبتي ويستعدون لشنقي ثم يعيدوني إلى المهجع ويقولون لي لم يحن دورك بعد.
-سألته، ما هي اسباب سجنك؟
-لقد رميت الحجارة على الشرطة في محافظة اللاذقية. واستطرد: لقد سجلوا في اضبارتي، أحداث شغب.
-اثنتا عشرة سنة قضاها الأطفال في السجن لأنهم رموا الشرطة بالحجارة.
عندما كان يغزوه الكابوس، عندما كان يصرخ في انصاف الليالي، كنا نجتمع خمسة أو ستة من المهجع من أجل ايقاظه، وعندما كان يفيق كان جسده كله يهتز ويرتعش، يتصبب عرقًا وصوت ضربات قلبه يمكن أن يسمع لمسافة متر.
كانت الكوابيس جزءًا من طقوس الليالي الطويلة في السجن، في هذا المهجع.
الرهينة نزار موسى ابن الأربعة عشر ربيعًا. اقتادوه مع والدته إلى سجن تدمر بعد أن قتلوا والده أمام عينيه. فاقد السمع إلى حد كبير، من الصفع على الرأس والوجه والأذن. مرات كثيرة .. كنت أقول: نزار .. يا نزار. كان يشتغل بالابرة والخرز ولا يرد، اربت على كتفه، ترتعد فرائصه من الرعب، يرفع رأسه بسرعة .. باستجابة سريعة .. يصيح: ماذا .. ماذا تريد.
-الشاي .. نسيت الشاي .. يا نزار، يهرع إلى كأسه ثم يعود إلى خرزه مرة ثانية.
كانوا حوالي ثمانية في المهجع رقم 12. وكنا خمسة شيوعيين، أنا ومحمد خير ومزيد سلوم، نبيل جولاق وإبراهيم ولي عيسى .. وتهم أخرى لا علاقة لها بالسياسة .. قضائيون.
عندما اعتقل عمار عرب، كان في الثالثة عشرة من العمر، يبكي في انصاف الليالي، يقول: أريد أمي، خذوني إلى أمي، لماذا اغلقتم الباب علي وتركتوني بين دفف الحيطان الرمادية العجوز.
عمار كان متهمًا بالانتماء إلى حزب البعث العربي الديمقراطي"صلاح جديد".
لم يراعوا طفولته .. كانت سطوة السلطة اقسى من استغاثاته ..