العسكري بشكل رتيب كل عشر دقائق، يجعل الاعصاب مستفزة، مرهقة، متعبة لدرجة تخيلت أنني لن أصمد أكثر من بضعة أيام وبعدها ربما أجن أو أموت.
في الأيام الأولى كانت تقودني ذاكرتي إلى الذين كانوا هنا ورحلوا .. كنت أقول كيف صبروا، تحملوا واجتازوا هذه الأماكن السوداوية الصعبة.
في سجن عدرا بدمشق، في المهجع 12 كنت مع مجموعة من القادمون من سجن تدمر. اعتقلوا أطفال صغار، في الرابعة عشرة أو السابعة عشرة من العمر، أمضوا ستة سنوات أو أكثر فيه.
أتذكر .. الكثير .. الكثيرعنهم.
شعرهم أبيض .. سمعهم ثقيل .. ينفعلون بسرعة، بسبب أو دونه، يتقاتلون ثم يتصالحون لكن قلوبهم بيضاء كالحليب، طيبون للغاية ودمثوا الاخلاق .. كنت صديقهم وكانوا اصدقائي.
في السنة الثامنة لاعتقال مصطفى الشيخ حسن. وكان التاريخ صيف 1988 جاءته أول زيارة، كان مرتبكا، جسده كله يرتعش، اليدان والقدمان، الشفاه ورموش العين .. وكنا مرتبكين. كل واحد يقوم بدور، أحدنا يجهز ثيابه النظيفة والآخر يمشط شعره وغيره يهدأ خاطره ويخفف انفعاله من مفاجأة الزيارة الأولى ولقاء الأهل والأحبة بعد سنوات طوال من الفراق.
مصطفى الآن في الخامسة والعشرين من العمر. كان في السابعة عشرة من العمر أثناء الاعتقال.
مشى مصطفى برفقة الشرطة وراء الشبك المعدني ينتظر وفي الجهة الاخرى والدته تنتظر.
سألت أمه الشرطة: أين ابني مصطفى، لدي بطاقة زيارة لرؤيته، أين هو؟
-إنه أمامك، ألا تريه؟ رد أحد الشرطة.
-وقفت مترددة لحظات: لكني لا أرى إلا الشرطة ورجلًا عجوزًا معهم .. أين ابني.
كان مصطفى يبكي من وراء الشبك بحسرة وألم وهي تبكي. قال: أمي، يوُم، يا أمي، أنا مصطفى.
حدقت في وجهه .. مليًا. قالت: لا .. لا لا يمكن أن تكون ابني .. مصطفى. فمصطفى شاب صغير لا يتجاوز السابعة عشرة من العمر .. أنت عجوز .. لست ابني .. لا أقبل أن تكون ابني. كانت تصرخ وتولول بصوت عال: هاتوا ابني الحقيقي .. أين ولدي، لماذا تكذبون علي وتعطوني رجلًا عجوزًا .. شعره أشيب، أبيض كالحليب.
كلاهما كان يبكي بحرقة ومرارة .. مصطفى يصرخ ويقول لها: أنا مصطفى ابنك، وهي ترد من الطرف الآخر .. لا .. لا لست الذي تركني ومضى إلى غير رحعة.
قال لي في إحدى جلساتنا:
في المرة الأولى عندما قرأ الشرطي اسمي، ودعت اخوتي ورميت لهم جميع ثيابي وخرجت والبشكير على كتفي. وضعوا الحبل حول رقبتي، كنت أقرأ الشهادة وأكررها مرات وأستعد لملاقاة ربي، خائفًا،