"بترفع إصبعك دون أن تقف يا ابن ال .."، وانهال عليه ضربًا،"ما بدك توقف على رجليك يا .. أنا بعرف شلون أخليك تقف على رجليك".
أما ما لا أنساه أبدًا، فهو صراخ تلك المرأة في منتصف الليلة الثانية لقدومي وهي تستغيث من شدة التعذيب، وتقول لجلادها:"ما عندك أم، ما عندك أخت، منشان الله"، وما يزيد ذلك اللئيم إلا أن ينهال عليها ضربًا وشتمًا وسبًا. لا أنسى تلك الصرخات التي تدوي في رأسي مستغيثة، وما من أحد يملك أن يساعدها إلا الله.
في اليوم الثالث طلبوا مني، وبما أنني صغير السن ولا أقدّر الأمور ولا أعرف الأشخاص، طلبوا مني أن أقوم بالمساعدة بتوزيع الطعام على زنازين المهجع الذي كان يضم حوالي 20 زنزانة انفرادية وواحدة جماعية.
كنت أساعد سجينًا آخر يقوم بمهمة توزيع الطعام، ويبدو أن لهذا السجين واسطة قوية ليقوم بأعمال السخرة من تنظيف للحمامات وتوزيع للطعام، لكن بعد انتهاء مهامه يعود إلى زنزانته ليقفل الحرس عليه الباب، يطلق عليه في السجون السورية عادة لقب"الخزمجي". الطعام عبارة عن برغل منقوع ولا أظنه مطبوخًا من شكله وطعمه. بدأنا بالتوزيع، أنا أحمل الصحون والخزمجي يدق الباب ويفتح الشباك مناولًا الصحن للسجين، وعند الزنزانة رقم 8 فتحت نافذتها، فإذا بوجه امرأة يطل منها، فقالت للخزمجي:"أرجوك بنتي بدها تروح الحمام"، فهمس قائلًا:"منشان الله بسرعة وبدون صوت أحسن ما أتبهدل". وفتح لها الباب، فإذا بفتاة تبلغ من العمر حوالي 15 عامًا تقف خلف أمها، يا إلهي كان منظرًا لا ينسى، أم وابنتها في زنزانة انفرادية! انطلقت الفتاة بسرعة، وبقينا نحن ننتظرها، وحين عادت أغلق الخزمجي عليهما الباب، وتابعنا توزيع الطعام إلى الزنزانة رقم 9، وكانت امرأة أيضًا، لكن هذه المرة كان وقع المفاجأة أكبر، فهذا الوجه وجه خالة أم وليد، جارتنا في العمارة المجاورة لنا، إلا أن وقع المفاجأة كان أكبر عليها لتراني في السجن، قالت لي: جميل ماذا تفعل هنا؟ ما لذي أتى بك إلى هنا؟ فسرت فيني موجة من البكاء والخزمجي يتوسل لي:"منشان الله اسكت أحسن ما يجي جاسم ويعذبنا"، قلت لها:"خالة أم وليد الله يخليك خلصيني من هون". طلبت من الخزمجي أن يفتح لها الباب لتراني وتتكلم معي للحظات، قالت لي:"والله يا ابني عذبوني عذاب شديد بنص الليل يا ابني هادول ما بخافوا الله، خلعوا كل ملابسي وتركوني عارية وهم يضربونني بالكابلات، ربطوا أسلاك الكهرباء بكاحلي انظر إلى أقدامي" (كانتا مليئتين بالبقع البنية بسبب حروق الكهرباء) تابعت قائلة والخزمجي يرجوها أن تسرع لزنزانتها .. قالت لي:"صحت بالسجان واستنجدت به وذكرته بأن له أختًا وأما، إلا أنه سب أمه وأخته وأمي ولم يستثنِ أحدًا". قلت في نفسي: إذًا كانت تلك الأصوات في الليلة الماضية أصوات واستغاثات خالة أم وليد التي طلبت مني