فهرس الكتاب

الصفحة 672 من 711

أخذوني وأدخلوني إلى الزنزانة الجماعية، كانت مزدحمة بعدد كبير جدًا من الرجال، الجميع يجلس وقدميه تحته حتى يفسح المجال، وسط الغرفة مليء أيضًا. لا تزيد مساحتها عن 4×3 أمتار؛ تحوي أكثر من 50 رجلًا، كما عددتهم فيما بعد.

بقيت فيها 5 أيام، كانت كألف ليلة وليلة بالنسبة لي، من حيث الزمن كانت ألف ليلة، ومن حيث المشاهدات والغرائب كانت كقصة ألف ليلة وليلة الشهيرة. كان فيها طالب الطب الذي كان يدرس في تركيا وعاد متخرجًا ليستقبل من المطار إلى الزنزانة، المشكلة تشابه أسماء .. المدة التي قضاها حتى سماعي قصته شهرين! فيها المهندسون والطلاب وشباب سوريون دفعهم الحماس للتطوع في لبنان ووجدوا أنفسهم في قبضة المخابرات السورية. كان معنا شخص إيراني أذكر أنني صعقت لرؤية قدمه اليسرى وقد حفرت بتأثير الضرب عليها، حتى بانت عظام القدم والقيح يفيض منها، كان منظرًا مؤلمًا. كل واحد فيهم كان له قصة أكثر غرابة من أخيه.

أول ما رموني في الجماعية حاول السجناء أن يخففوا عني والسؤال عن سبب وجودي، ولكن سرعان ما فُتحت طاقة صغيرة من الباب الحديدي؛ ليزمجر سجان متوحش:"ممنوع حدا يحكي مع الولد، وإذا شفت حدا بيحكي معو رح أطالعو لعندي".. وبدأ بذكر سباب لم أسمع له مثيلًا. كان هذا التهديد كافيًا ليرعبهم ويجلسهم صامتين، ويبدو أن الخروج إلى عند ذلك المتوحش يعني الكثير، وهذا ما عرفته فيما بعد.

أذكر قصة لواحد من هؤلاء المساكين، كان يقف على المخبز يتزاحم مع الناس عله يفوز بشراء كيلوغرام من الخبز، ذلك الخبز الذي جعل حافظ الأسد شراءه بعد الساعة 9 صباحًا حلمًا .. كان يقف ذلك الرجل، وإذا بعنصر مخابرات يقف خلفه ويلمح في جيب هذا المسكين محفظته، فمد هذا العنصر يده سارقًا المحفظة، وانتبه صاحبها، وبدأ يصيح: حرامي حرامي، إلا أن ذاك العنصر كان حاضر الشيطان - عفوًا البديهة - فأفصح عن هويته قائلًا:"ولك يا حرامي بدك تسرق رجل أمن"؟ وبلحظات انقلب الحق إلى باطل، وأصبح المسروق سارقًا، ولم يكتف ذاك العنصر بذلك، بل صاح بالمسروق:"قدامي عالفرع يا حرامي يا ابن ..". وساق المسكين إلى الفرع، وتناوب هو ورفاقه على ضرب ذاك المسكين حتى أنهم - وأذكر ذاك جيدًا - قشروا جزءًا من جلد ظهره على آلتهم الجهنمية"بساط الريح"، والأسوأ من ذلك أنهم سجلوا اسم الرجل في دفتر التفقد اليومي بـ"الحرامي"، فكان الرجل يقول حاضر سيدي عندما ينادى على الحرامي.

وقصة أخرى لعجوز يبلغ من العمر 75 عامًا، وكان يشبه جدي، حين دخل السجان"مين منكم ما راح عالحمام؟"، فرفع العجوز إصبعه دون أن يقف على قدميه، فجن جنون السجان، وصاح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت