يجلسون ويتجولون في أرجاء المدينة). أما السيارات الثلاثة الأخرى فقد كانت عبارة عن بيك آب (شاحنة صغيرة) جلس فيه اثنان بجانب السائق وواحد في الصندوق الخلفي والسيارة الثالثة من نوع"رنج روفر"إحدى أشهر سيارات المخابرات، وكانت مليئة، حيث تتسع لـ 10 عناصر، وخلفنا كانت تسير السيارة الرابعة، وهي سيارة"جيمس"لـ 12 عنصر أيضًا. وتحرك الموكب ومعه"الزعيم الأوحد"الذي دوخ البلاد والعباد، والذي احتاج لـ 4 سيارات مليئة بـ 33 عنصر للقبض عليه.
وانطلقت السيارات تهوي باتجاه مبنى المخابرات العسكرية في حلب، وفي الطريق انطلق صوت لاسلكي الضابط طالبًا منه المرور بمنطقة شارع العزيزية لإحضار ضحية أخرى، وانعطف الموكب وتكررت العملية أمام ناظري، وتدافع الوحوش إلى الأسطح والعمارات، وعادوا برجل معصوب العينين وأدخلوه سيارة البيجو ليرموه بجانبي. ومضى الموكب إلى فرع المخابرات العسكرية في السريان، وحال وصولنا أخذني رئيس المداهمة إلى ضابط كبير، وبدأ يسألني عن أهلي وعن إخوتي جمال وكمال وأين هم الآن، وأنا أجيبه: لا أعرف .. ضاق بي ذرعًا، وبعد قليل رن هاتف بجانبه، ومن ثم ضغط جرسًا بجانبه ليأتي عنصر طلب منه أن يأخذني لـ"المعلم"، وانطلق بي عبر سلالم حتى وصلنا إلى جناح فاخر، طرق على الباب وأدخلني، شعرت برجفة اجتاحت عظامي، فقد كان المكتب مكيفًا باردًا وأنا بملابس النوم. تمالكت نفسي، دارت عيناي في أرجاء المكتب، كان واسعًا جدًا، طويلًا جدًا يجلس في صدره رجل ضخم أصلع أمامه مكتب ضخم وبجانبه أكثر من 10 تلفونات، أما المفاجأة الكبرى فقد كانت لوحة ضخمة فوق رأسه مكتوب عليها آية قرآنية كريمة:"وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"يا للمهزلة، صدقوا أو لا تصدقوا، فوق رأس هذا المعلم - الذي علمت فيما بعد أنه ( .. ) مصطفى التاجر الذي يعرف جميع الحلبيين ظلمه، وفيما بعد كثير من السوريين والعرب بعد ترؤسه فرع فلسطين - فوق رأسه آية قرآنية كريمة عن الحكم بالعدل!
أعاد عليّ التاجر كل الأسئلة السابقة، وأجبته بأني لا أعرف شيئًا، فعلًا أنا لا أعرف شيئًا، وماذا يعرف طفل في الحادية عشر من عمره إلا اللعب والمدرسة؟ لم يعجبه جوابي، فقال لرجل يجلس عنده في المكتب: يبدو أن هذا الولد يحب أن يجرب الدولاب. ونظر إليّ، ولمّا لم يبد عليّ التأثر، أدرك بذكائه الخارق أنني لا أعرف حتى ما هو الدولاب، فأردف قائلًا:"شوف ولك كلب يا بتحكي كل شي بتعرفوا يا بقول للعناصر يعلقوك بالفلق ساعتين". وهنا بدأت أبكي، فالآن عرفت ماذا يقصد، فالفلق وسيلة تعليمية رائجة في مدرستنا، وأغلب الطلاب يعرفون طعمها بمن فيهم أنا. بدأت أصيح:"يا عمو والله ما بعرف شي ولا بعرف وين إخوتي .. يا عمو الله يخليك، والله ما عملت شي". وبدا له أنني فعلًا لا أعرف شيئًا، فرن جرسًا بجانبه، وقال للحرس: خذوه.