سعيد وأختي الصغيرة ذات الخمسة أعوام؛ نقف بجانب الجدار ممنوعين من الحركة. وبعد دقيقة كأنها سنة؛ سألوا أبي: أين جميل؟ سقط قلبي بين قدمي من هول المفاجأة بالرغم أنني قد شهدت خلال الشهور الماضية أكثر من 20 مداهمة ليلية لبيتنا كان السؤال فيها عن أخوتي كمال وجمال، لكن الوضع هذه المرة مختلف فالسؤال عني أنا!
كنت أبلغ من العمر آنذاك 11 عامًا، نعم يا سادتي أحد عشر عامًا، وها أنا ذا أكتبها كتابة ورقمًا حتى لا تظنوا أن في الأمر خطأ مطبعي. أعاد الوغد السؤال ثانية وهو يصرخ:"ولك قل لي أين جميل؟"، فأشار أبي إلي بإصبعه وقال لهم: هذا جميل ماذا تريدون منه، إنه طفل صغير. ونظر الضابط إليّ مصدومًا حائرًا وابتعد عنا خطوات باتجاه المطبخ، وأخرج جهاز اللاسلكي واتصل برئيسه قائلًا: سيدي جميل هذا ولد صغير!! وجاءه الجواب مباشرة: عندما قلت لك أحضر جميل لم أقل لك جميل ولد كبير أو ولد صغير، قلت لك أحضر جميل"يالله جيبو بسرعة".
كان الحوار مسموعًا واضحًا، فبدا أبي يتوسل إلى الضابط ويرجوه أن يأخذه بدلًا عني، إلا أن الضابط دفعه جانبًا وتقدم باتجاهي قائلًا:"البس برجلك وامشِ معي، يالله بسرعة تحرك". عاد أبي يتوسل وأمي تبكي وتصيح، إلا أن الضابط قال لهم وهو يظن أنه يطمئنهم:"لا تخافوا رح يروح معنا 5 دقائق وبنرجعو لعندكم"، ناسيًا هذا الوغد أن الصغير والكبير في بلدنا أصبح يعرف خمس دقائقهم تلك التي لا تنتهي أبدًا.
لم يسمحوا لي بتغيير ملابس النوم بنطلون البيجاما وفوقه فانيلا صيفية، فقط سمحوا لي بلبس"شحاطة"بلاستيكية، انظروا إلى هذا الكرم. ونزلت معهم إلى السيارة بلها السيارت، والدهشة تعقد لساني وعيوني تلتفت في كل الاتجاهات. وبدأ عناصر المداهمة بالتجمع حول السيارات، وانطلقت إشارات مصابيح بطارياتهم ترسل إشارات خاصة إلى سطح عمارتنا تشير لمن فوقها بالنزول، فقد انتهت الحرب، عفوًا المهمة. كان عددهم كبيرًا جدًا، كانوا منتشرين في كل مكان، فهم قد جاؤوا للقبض على"الزعيم الأوحد" (هذا ما قاله صديق ابن عمي، حيث قال له: كنت مارًا في منتصف الليل في حارتكم ووجدت المخابرات في كل مكان وعلى أسطح 3 عمارات، و4 سيارات، والوضع غير طبيعي. فقلت في نفسي: إنهم سيقبضون على"الزعيم الأوحد"، فرد عليه ابن عمي: نعم .. نعم لقد قبضوا فعلًا على الزعيم الأوحد، وهو ابن عمي جميل ابن الأحد عشر عامًا) .
اندست العناصر داخل سياراتهم ووضعوني في سيارة"بيجو ستيشن 504"والتي مجرد رؤيتها لأي سوري تزيد من دقات قلبه، جلس في المقعد الأمامي رئيسهم وبجواره السائق. وحشروني بين وغدين على اليمين واليسار في المقعد الأوسط، بينما جلس 3 عناصر في الستيشن وبابها مفتوح وهم يمسكون برشاشاتهم (هذا التوصيف لمن لا يعرف المخابرات السورية، أما من رآهم فهو يعرف كيف