فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 711

على رفقة العمر: زوجة أحبها وأطفال تركهم هناك ينتظرون، يترقبون ظلا يفرحهم، نحيل الجسد قوي الإرادة مؤمن صادق يحب الله كثيرا ويخاف منه. كان لينا وقاسيًا، مزّاحا وباكيًا تشده الرجولة إلى الموت وترجعه الحياة لحبها، كان كورقة"الغرب": مزهرًا ومخضرًا ومتبسمًا دائما، وعند الشدائد يشدنا متقدما كرجل، فلتبك أيتها السماء، واذرفي الدمع يا أيتها"الناطرة"عند مدخل الحي واصرخ أنت من هناك وناد لمحب أثقله طول انتظار، عيناه مكحلتان بأثر الكرابيج والعصي .. شاخصتان إلى سقف المهجع يلوح يهما يبحث عن ثغرة في ذاك السقف المحصن راجيا أن ينعم برؤية السماء، متشفعًا ثم يسدلها، تستفيق ثم تغفو، العرق يتصبب من جبينه الشامخ المتورم، جلست بجانبه، نظر إلي وتبسم، وسالت قطرة الدمع من طرف عينه وتوقفت عند منتصف خده الذي تعرض لصفعات الجلاد حيث ارتسمت معالم أصابع كفه لترسم خطوطا ملونة ما بين زرقاء وحمراء وصفراء وعلى أطرافها لون بني داكن، إنها أجمل من ألوان قوس قزح، صديقي رفيقي، لا تودعني وابق عينيك مفتوحتين، سنخرج معا، نفرح بالحرية ونتسامر كما وعدتني، سنجلس على ضفاف الفرات، بين شجيرات الغرب والحور، وكأس الشاي التي سنشربها معًا، وعدتني أن نمر من أمام بيوتنا، اصبر أيها الجميل ابق معنا لليلة أخرى، فأنا محتاج إليك، كما تحتاج صحراء قاحلة إلى قطرة ماء، ابو الحارث يا وجعا، يا ألما، انتظر حتى بزوغ الفجر، لا تتركني مع صرخات الجلاد وبوطه العسكري وتهديدات الموت، بالأمس كنا نتبادل أطراف الحديث، كنت تناديني بالأحمر، وأناديك بالأخضر، كنت أغني لك من أغاني أحمد قبور، كنت تنشد لي في حب الرسول، لا استطع أن أقاوم لحظة الفراق، سالت الدمعة وأنا أمسك بأطراف أصابع يده المنتفخة، أزيل منها بقع الدم المتجمد، فسقطت قطرة الدمع وانحل القليل منه، ثم سالت بين حبيبات الشعر الذي تكسو أطراف معصمه النحيل، كنت أحس بحرارة جسده تتلاشى شيئا فشيئا، جلس بجانبي المسؤول الصحي واخذ مني معصمه، ثم وضع عليه أطراف أصابعه ليجس نضبه الذي يقاوم في لحظاته الأخيرة، سحب يده من يد المسؤول الصحي ووضعها في يديه هامسًا كالقمر يعبر السهوب ويجتاز الأنهار، كان ينطق من عينيه بكلمات، الرجاء، الحب، الحياة، كان ينطق بشفاه مرتعشة صوت الرقيب في الخارج ينادي بالمسؤول الصحي ..

-افتح شراقة الباب يا عرصة .. فأسقط منها علبتين من الدواء، وهي عبارة عن ظرفين ملبس واحد مسكن للألم والآخر مضاد حيوي وفي كل ظرف عشرة حباتز

فرح المسئول الصحي جدا بعد خمس عشر يوما من المطالبة به، كم من الدماء سفحت من أجل علبتين من الدواء، فتح علبة الدواء وطلب كأس من الماء ثم جلس إلى جانب ابو حارث كي يعطيه جرعته وعندما اسند رأسه إلى قدميه، لوّح بعينيه وودع الجميع .. وبقيت حبة الدواء بيد المسؤول الصحي، وكأس الماء التي تتناثر منها القطرات مرتجفة، خائفة، وحزينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت