فرد بلهجة المستهزئ: إي طول بالك كلها عشر دقائق ويأخذونك إلى صلنفة مشان تشم الهواء النقي على راحتك. وأغلق الفتحة وغادر. نظرت إلى الساعة حوالي الثانية بعد الظهر، وها قد مرت عليّ كل تلك الفترة دون أن يأتي أحد من عناصر الأمن يسألني أو يستجوبني. دققت على باب الزنزانة مرة أخرى بقوة، وفتح أحدهم الفتحة الضيقة ذاتها، قلت إنني بحاجة لذهاب إلى دورات المياه، نظر إليّ بتمعن كأن عنيه تريد أن تقول أشياء قد لا أفهمها، قال ليختصر عليّ ذلك التساؤل: أنا شايفك بس وين لا اعرف ..
-أنت من المدنية؟ نعم ..
أنت من بيت فلان؟ نعم أنا منهم. فقلت له أريد أن اذهب إلى دورات المياه لأنني بحاجة لذلك .. فرد عليّ: طوّل بالك شوي .. بس ليش جابوك لهون؟ .. قلت: له لا أدري .. فقال: ماشي راح أطالعك، بس تطلع بسرعة لأنو هذا ممنوع وإذ شافنا أحدهم يخربوا بيتي .. فتح باب الزنزانة وذهب إلى آخر الممر ونظر في عدة جهات، ومن ثم أشار إليّ بيده: أخرج بسرعة .. خرجت مسرعًا، ودخلت إلى المرحاض وقضيت حاجتي في أقل من دقيقة وعدت إلى الزنزانة وأغلق الباب، ونظر إليّ وفي قلبه حسرة كأنه يعلم أنني ذاهب بدون عودة ..
بضع لحظات، انفتح باب الزنزانة، وإذ به يُطلب مني الخروج وأن لا أنسى حاجياتي داخلها. أمسك بيدي وأخذني إلى غرفة واسعة وكبيرة وخرج وأقفل الباب وراءه. جال ناظري داخلها، آثار دماء ودولاب وكرسي بدون حشوة، وعصي وكابلات معلقة على الجدران وسطل ماء وطاولة خشبية، منظر الغرفة يحتوي بداخله منظر الموت، أطراف أصابع يدي ترتجف من البرد والخوف من المجهول وساقيّ لا يكادان يحملاني ليستند جسدي عليهما وهو ينتظر .. أيتها الجدران أنا مفارق وقلبي يعتصر الألم، والوجع في أعماقي يثقلني أكثر، تلك مفارقها، والهواء حسرة على الروح، الجروح نازفة آثارها على المكان .. أيها الإله ارحمني حيًا أو ميتًا، فالذين تعرضوا للتعذيب - أثناء التحقيق - قد نزفوا ليتركوا آثار دمائهم على الجدران، حتى ليشعر الداخلُ أنه مجرد رقم بلا رصيد. فتح الباب رجل أسمر قصير القامة يرتدي زيًا مدنيًا و آخرون، أحدهم معه كلبشة وآخر بعض الأوراق. طلب مني أن أخلع ثيابي (وأبقى) عاريًا والرب يشهد .. خلعتها كما ولدتني أمي، كفاي يستران عورتي وهم ضاحكون للجسد ضحكة البطش والطغيان. وأخذ ملابسي، وبدأ يفتش بها النطاق وبعض النقود التي بحوزتي وجواربي ووضعهن في سلة من البلاستيك. نظرت إلى تلك الجوارب التي اشتريتها حديثًا وهم يرمونها في تلك السلة، عيناي تطلبها ولساني عاجز عن الكلام. وعندما انتهى من التفتيش طلب مني ارتداء ملابسي باستثناء تلك الأشياء: الساعة والنقود والجوارب. قيدوا يديّ إلى الخلف، وجاء أحدهم بقطعة قماش وعصب لي عينيّ. أمسك بي من كتفي وأخرجني، وأحسست