ينهال على جسدي بشكل عشوائي من كل ناحية. ورأسي الذي تعرض للضرب لا أستطيع حمايته بيدي المكبلتين بسلاسل الحديد. هكذا حتى فقدت الوعي كليًا، صحوت وأنا بداخل المهجع.
نظر إلي الجميع بحزن وهم يحاولون أن يفهموا ماذا حصل لي في الإدارة، وماذا كانوا يريدون مني، ولمَ تعرضت لهذا الضرب الذي شوّه كل أعضاء جسدي. اقترب مني الشيخ أبو حذيفة، ومد لي رجلي نحوه وهو يمسدهن برفق وشفتاه تتحرك ببطء شديد، كأنه يطلب من الله شيئًا من الرحمة لي وعيناه مغرورقتان بالدمع، إن رف طرفه سرعان ما تسيل، لكنه أصرّ على أن لا ترف حتى يمدني بالشجاعة التي هي جزء لا يتجزأ من شخصيته، ثم سألني وهو يضع يده على جبيني: ماذا كانوا يريدون منك؟ رددت عليه بصوتي الذي أحاول أن يكون قد تخطى مرحلة الألم: طلبوني من أجل التسريح من خدمة العلم .. الحمد لله .. قالها بعمق وصدق .. المهم ليس تحقيق من جديد .. قلت له: لا .. من أجل الجيش. طلب لي الماء من أحد السجناء، وبلّ قطعة قماش ومسح أثر الدماء الجافة حول أنفي ووجهي.
وبقي حالي هكذا لأيام، حتى استعدت نشاطي من جديد، وعليّ أن أخرج من فترة النقاهة التي نعطيها لبعض في الداخل، وأخرجوا من المهجع حوالي عشرة سجناء لا ندري إلى أين. وبعدها بساعات أحضروا إلينا حوالي خمسة عشر سجينًا من الباحة الثالثة والرابعة كانوا موزعين قبل أشهر في الفروع الأمنية التي قضوا فيها سنوات طويلة، وتم تجميعهم في سجن تدمر تمهيدًا لمحاكمتهم. تم توزيعهم من قبل رئيس المهجع على المجموعات، وطلب منهم أن يعرفوا على أنفسهم على الملأ ومن أي مدينة وما هي التهمة الموجه لكل واحد منهم، فمعظمهم من تيار الإخوان المسلمين. وطلب منهم رئيس المهجع أن يقف من كل مهجع واحد، ويعلم الناس بأهم الأخبار، إن كانت هناك أخبار جديدة، وهذا عرف بين السجناء داخل تدمر. وقف أحدهم يحمل خبرًا جديدًا عن طريق أحد السجناء الذي ذهب إلى مشفى التل العسكري لإجراء عمل جراحي هناك، أبلغهم هناك بنية لصدور عفو رئاسي وهذا الخبر سمعه من أحد الممرضين في المشفى، وهكذا أخبار من النوع الذي سرعان ما تلقى انتشارًا في السجن، وسرعان ما ظهر على وجوه الكثيرين بارقة أمل.
وقف سجين من مهجع آخر، فقال ليس لدي أخبار مطمئنة، الخبر الوحيد المزعج تم اعتقال القيادي في تنظيم الإخوان الدكتور"حسن الهويدي". ظهرت بادرة الاستنكار والحزن على تنظيم الإخوان، ووقف أحد السجناء وطلب منه ان يوضح من أين مصدر الخبر. فقال: منذ فترة قرأوا اسمه عندنا في المهجع وبقية المهاجع الاخرى. وسأل متعجبًا: ألم يقرأوا اسمه في مهجعكم؟ أدرك رئيس المهجع ذلك، ووقفق قائلًا: بلا، وموجود عندنا في المهجع. وقف جميع الذين جاؤوا مندهشين: أين هو؟ ارتفع الصوت في الداخل ويكاد يسمعه الحرس، تدخل المسؤول الصحي حتى