مرت بضع ساعات علي أترقب أي جديد دون نتيجة. ولم يلبث البرد أن بدأ يزحف على جسدي، وينخر مفاصلي وعظامي. ولم يكن في الزنزانة أية بطانية أو غطاء، ساعتها افتقدت نعمة الإزدحام في المهجع التي أمنت لنا الدفء على أقل تقدير! ولم أكد أتكور على نفسي محاولًا بث الدفء من جزء من بدني إلى الجزء الآخر حتى أخذ القمل ينشط فيّ ويبدأ عضاته التي لا ترحم ولا تُتَّقى! ولم تلبث أصوات أخ يعذب أن انطلقت تشق ظلمة الليل، فأدركت أنني قريب من غرفة التعذيب التي لم نكن نحس بوجودها في المهجع. وازداد الصراخ، وطال العذاب، عذاب الأخ يليه الأخ وعذابي أنا. وأخذت الهواجس تطبق علي وتنهش نفسي المنهكة. وعدت إلى مخاوفي التي سكنت بعض الشيء بملاقاة الإخوة والإستئناس بهم في المهجع، وها أنا ذا هنا من جديد لا أنيس حولي آنس به ولا جليس أشكو مرارة حالتي إليه.
ومضت الأيام علي أسير هذه الزنزانة الموحشة .. يفتح السجان الباب علي الآن ثلاث مرات في اليوم للخروج إلى الحمام .. وليته لم يكن يفعل. فتلك كانت فرصة مالك السجان الموتور وأمثاله ليسلخوا جلودنا بالكبلات من جديد، ويفرغوا فينا من سموم أحقادهم ما وسعهم الجهد. فإذا عدت عادت إلي الأوجاع والبرد والجوع والكوابيس .. عرضة في أي وقت لنزوة سجان يفرغها في بدني المنهك من غير أي سبب أو تفسير. فلا أملك إلا البكاء والتضرع إلى الله تعالى أن يخفف عنا. وبعد مضي عدة أيام وجدتهم يستدعونني إلى غرفة التحقيق ويسألونني عن أسماء وأشخاص لم أكن أعرفهم بالفعل. فرفعوا الطماشة عن عيني وعرضوهم أمامي. فقلت لا أعرفهم. وتكرر الأمر، ثم وجدتهم في المرة التالية يعرضونني أنا على أخ معتقل لا أعرفه، لكنهم لما سألوه هل تعرفه قال نعم. ولقد علمت بعدها أن الأخ كان أحد من كشفتهم اعترافات سالم أيضًا، لكنني لم أعرف لماذا قال أنه يعرفني رغم أنني لم أره من قبل بالتأكيد. ولم ألمه فيما قال وقدرت أن التعذيب لا بد وأن طاله مثلما طال البقية. لكن ذلك كان من أصعب الأمور حقًا. فالواحد لا يكاد يصدق أنه أغلق الأبواب عليه وانتهى من دوامة العذاب والتحقيقات ليأتي من يفتح عليه الباب ويعيده إلى مسلسل الرعب من جديد!
باب جديد!
وفتح الباب علي .. وعادت ليالي العذاب والجلد والسلخ والكهرباء. عشرة أيام أو ربما تزيد من التعذيب: أين هي المخابىء؟ أين أماكن السلاح؟ أين فلان ومن هو علان؟ وأنا لا أعلم عما يتكلمون عنه شيئًا أبدًا. والكبلات تأكل من جسدي وتشرب السياط من دمي ولا مغيث! حتى أشرفت على الهلاك فعلًا ولم أعد أستطيع جذب النَفَس. ويبدو أنهم اقتنعوا ببراءتي هذه المرة