وشعروا أنه ليس لدي شيء بالفعل فتركوني. وعدت إلى المنفردة ألعق جراحي وأستجمع كياني المحطم ثلاثة أو أربعة أيام تاليات، لم يطلبوني فيهن إلى التحقيق أو يخرجوني إلى التعذيب.
ومن غير مقدمات وجدتهم في ليلة تالية نادوا علي ضمن قائمة مطولة من الأسماء أذكر منهم إذا أسعفتني الذاكرة الإخوة: هيثم ملا عثمان وجمال عيار من حلب. ووضاح الدن من قرى حلب كذلك. وقاسم موسى من مدينة تدمر. وحسين رشيد عثمان من الباب. ومحمد ثابت ناعس و نديم منصور من ادلب. ومحمد طاهر مصطفى وابراهيم أحمدو من أريحا. ومصطفى الشر من جسر الشغور. وشريف البعث من ادلب. وعمر الحيدر وحزين قاسم المحاميد من معرة النعمان. وابراهيم طوبل وعمر حمزة من المعرة أيضًا. وشاكر مومه وكمال أندورة من دمشق. وأخ من حماة هو شقيق محمد فخري.
وانتهت تلاوة الأسماء. وأمرونا أن نجهز أنفسنا جميعًا لرحيل جديد. إلى أين؟ لم يقل أحد بالطبع. ولم يكن لأي منا القدرة حتى على الهمس. ووجدناهم يفتحون علينا الزنزانات ويسوقوننا تحت السياط ولسعات الكبل واللكمات ككل مرة إلى الذاتية، فنستلم أماناتنا، ونكمل تحت وابل اللكمات والركلات إلى سيارة النقل المغلقة ذاتها أو سيارة اللحمة كما كنا نسميها. فنكبل كالعادة ونطمش، وتقيد رجل واحدنا برجل الآخر ويده بيده، ويودع كل منا بلطمة أخيرة منتقاة، لنجد أنفسنا أكثر من أربعين شخصًا محشورين في تلك العلبة المغلقة .. تتحرك بنا تحت جنح تلك الليلة نحو رحلة أخرى من المجهول!
أبو جهل!
لم يكن سهلًا علينا في البداية أن نتكهن إلى أين نمضي، ولم يكن ممكنًا لنا في نفس الوقت أن نتبادل الآراء أو أن ننبس ببنت شفة، لكن الوقت الذي طال علينا والسرعة المنتظمة التي أخذت السيارة تحافظ عليها أوحت إلينا أننا الآن خارج العاصمة نتجه إلى مكان بعيد، لم نلبث أن رجحنا هذه المرة أن يكون تدمر لا غير. وبالفعل وفي نهاية المطاف توقفت السيارة بنا وسكن هدير محركها، وفتح الباب الحديدي علينا وأتانا الأمر بالنزول.
سرت القشعريرة في بدني فور أن نزلت من السيارة ولسعتني قرصة البرد الصحراوي قبيل الفجر. ولم نلبث أن وجدنا العناصر الذين أتوا بنا يرفعون الطماشات عن أعيننا ويفكون القيود من أيدينا وأرجلنا ويرموا بها في السيارة لأنها عهدة الفرع هناك. وبرغم الظلام الحالك إلا أن الأنوار التي تسلطت علينا كانت كافية لنرى أفراد الشرطة العسكرية يحيطون بنا ويجرون مع عناصر المخبرات