ولا أن يقف. وانتقل الألم إلى رجله أيضًا فزاد من عذابه ومعاناته. ومع ذلك كان رحمه الله يتحامل على الألم الذي لا يطاق ويصبر ويحتسب.
وكان الأخ حسين عثمان صحفيًا في وكالة الأنباء السورية في غاية السرية والإنضباط، لم ينكشف أمره رغم مضي قرابة العشرين سنة على عمله هناك، حتى تم تكليفه بمسؤولية المكتب الإعلامي بدمشق في إدارة الأخ سالم الحامد. فلما اعتقل سالم اعترف عليه فيمن اعترف. ورغم ذلك كان أبو رشيد يردد بكل احتساب:
لا بأس .. الله يسامحهم .. كله في سبيل الله.
وعلى طيبه واحتسابه كان أبو رشيد مثال الأخ الصلب الذي ثبته الله في المعتقل، فلم يعترف بأكثر مما اعترف عليه به سالم، حتى أنهم أتوا له إلى السجن برئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي في محاولة لإقناعه بالإعتراف. وكان الشهابي وأبو رشيد صديقان من أيام الشباب، خرجا من بلدتهما معًا ومضيا إلى دمشق زميلين وصديقين رغم اختلاف إنتماء كل منهما. وعندما حضر الشهابي إلى أبي رشيد في سجنه حاول أن يحضه على الإعتراف. وجعل يقول له - كما أخبرني أبو رشيد بنفسه:
اعترف يا حسين .. اعترف والباقي عندي.
وجعل يذكره كيف كان والده مختارًا للمدينة التي أتى منها الشهابي .. وكيف كان على علاقة طيبة بالناس ومن خيرة أهل البلد. وأخذ يمنيه بمساعدته إذا تعاون مع السلطة. لكنه لم يصل معه لشيء. وفيما بعد، وعندما صرنا في تدمر وضمّنا أنا وحسين مهجع واحد حتى يوم إعدامه، نال رحمه الله عذابًا شنيعًا على هذا اللقاء، وحاولوا - كما سيأتي إن شاء الله - إقناع حسين بتوريط الشهابي نفسه استنادًا إلى ذلك .. لكنه ورغم البون الكبير بين الرجلين فقد أبى أن يورطه بلا ذنب أو سبب، ورفض التعاون معهم في هذه المؤامرة الرخيصة حتى ولو كان الثمن حياته.
إلى المنفردة من جديد
مضت قرابة ثلاثة أسابيع على وجودنا في المهجع الجماعي لنفاجأ صبيحة أحد الأيام بالسجان يفتح الباب ويطلب مجموعة من الشباب بأسمائهم. وعندما عادوا بعد فترة لم تطل سألناهم عم جرى فقالوا إنهم أمروهم أن يوقعوا على أوراق وحسب. ما الذي فيها؟ لم يدر أحد. وتكرر الأمر وتتابع إخراج الشباب حتى شمل كل الذين اعترف عليهم سالم. وبعد يومين وما كدنا ننهي عشاءنا حتى جاءني الطلب مع ثلاثة أو أربعة إخوة آخرين، فطمشونا وكبلونا من جديد، ووجدناهم يقودون كل واحد منا إلى زنزانة منفردة ويقفلوا عليه.